سمفونية استعادة الدولة

يمانيون| بقلم. د عبدالرحمن المختار

سيكون مدخلنا لهذا الموضوع من باب أهل الفن، أهل الخيال الواسع، باعتبار أن الواقع لا يمكن بحال من الأحوال أن يعطي صورة واضحة للحالة التي نناقشها، فكان لابد من المرور بباب الخيال، لننظر بعد ذلك نظرة فاحصة، ولنميز بين السالكين طريق الواقع المحدود طولًا وعرضًا، والسالكين طريق الخيال الواسع غير المحدود.

ورغم أن طريق الخيال قد أنتج أطول سمفونية مسجلة رسميًا في موسوعة (غينيتس) للأرقام القياسية، لا تتجاوز مدتها الساعتين، وتطلب ذلك أوركسترا ضخمة جدًا، تضمنت أربع فرق آلات نحاسية، وعشرات العازفين، ونظرًا لكلفة إنتاجها الباهظة فلا تعزف إلا نادرًا!

أما سمفونية (استعادة الدولة) فقد تجاوزت مدتها العشر سنوات، وقد شُكّل لها مؤخرًا مسرحًا ضخمًا (مجلسًا) يضم ثمان فرق، تمثل ضعف عدد فرق أطول سمفونية مسجلة في موسوعة الأرقام القياسية (غينيتس)، ويقود أوركسترا سمفونية استعادة الدولة العميل المدعو العليمي، وعلى رأس كل فرقة من فرق الأوركسترا الثمان، عميل بدرجة نائب، وآلات العزف لهذه الفرق حديدية وليست نحاسية.

ويصعب لحد الآن على موسوعة (غينيتس) تسجيلها ضمن أرقامها القياسية، فحتى الخيال الفني والفضاء الافتراضي لا يتسع أي منهما لهذه السمفونية، التي تجاوزت مدتها العشر سنوات، وبلغت فرق عزفها ثمانٍ داخل مسرح الأوركسترا، أما خارجه فلا تكاد تُحصى الفرق وعازفوها!

وعقب مرورنا ببوابة خيال أهل الفن، وبعد إدراكنا تعذر عزف أطول سمفونية في هذا الخيال بشكل متكرر، بسبب طول مدتها التي وصلت لساعتين وكلفتها الباهظة، وإدراكنا أيضًا أن سعة الخيال الفني لا تساوي شيئًا أمام خيال العازفين في أوركسترا سمفونية (استعادة الدولة)، لا من حيث المدة، ولا من حيث الضخامة، ولا من حيث الكلفة، ومع ذلك يستمر ويتكرر عزف هذه السمفونية دون أي توقف!

ولنغادر الآن الخيال الفني، ونعود إلى الواقع، لنشاهد ما إذا كان هناك من أثر ملموس، أو صدى محسوس، لسمفونية (استعادة الدولة) التي يعزفها قائد الأوركسترا العميل العليمي ونوابه العملاء السبعة، قادة فرق العزف الحديدية، ومن قبلهم جميعًا عزفها المايسترو هادي، ورغم تجاوز مدة عزف هذه السمفونية عشرة أعوام، إلا أنه لا أثر لها ولا صدى على أرض الواقع، ولا جمهور لها، والسبب بسيط للغاية، وهو أن هذه السمفونية غبية غباء عازفيها، ولذلك لم يفهمها ولم يتقبلها الجمهور.

فاستمرار الترويج لأكثر من عشر سنوات لاستعادة الدولة، يؤكد أن المروجين لا يفقهون ما يروجون له، وأنهم لا يختلفون عن الببغاوات التي تقلد الأصوات التي يتم تلقينها لها دون أن تدرك معناها، وهؤلاء كذلك، فلو كانوا يدركون معنى الدولة لما رددوا ذلك الترويج الغبي، ولما تسولوا مساعدتهم في استعادة الدولة!

فالدولة ليست سلعة يمكن لمن فقدها لسبب أو لآخر أن يستعيدها إذا ما تحسنت أحواله، فالدول تتكون وتنشأ بشكل تلقائي بمجرد اكتمال أركانها، والدولة اليمنية اكتملت أركانها، ونشأت، منذ أكثر من قرن من الزمان، وهي قائمة وأركانها ثابتة لا تتزحزح من مكانها، والدولة اليمنية معلومة جغرافيًا وديمغرافيًا، ولا تأثير لبقاء أو ذهاب من أمسكوا بزمام السلطة فيها، فهم ذاهبون والدولة باقية، كونهم ممثلين لركن من أركانها، هو ركن السلطة، أما ركنا الشعب والأرض فثابتان ثبات الجبال، ولم يتأخر ركن الشعب في سد فراغ ركن السلطة العامة بعد اندحار من شغلوا مناصب هذا الركن من الخونة والعملاء، وفرارهم كالجرذان.

وقد تختفي الدولة في حال تعرض ركنا الشعب والأرض لزلزال مدمر قضى على شعبها وأتى على إقليمها، وقد تختفي الدولة كذلك إذا ما تعرضت للاحتلال والضم من جانب دولة أخرى، فلو تمكن ترامب من ضم كندا لاختفت هذه الدولة من الوجود، ولو تمكن ترامب أيضًا من احتلال “غرين لاند” لاختفت من الوجود، لكن في حال الضم أو الاحتلال يمكن لركن الشعب أن يستعيد الدولة من الداخل، فيقاوم الاحتلال ويرفض الضم إلى أن يتحقق الاستقلال، وتعود الدولة للوجود، فمن داخل الجغرافيا وعن طريق الشعوب تستعاد الدول المحتلة، ولا تستعاد من خارجها.

ونحن هنا نقترح على العازفين في أوركسترا سمفونية (استعادة الدولة) أن يعزفوا سمفونية أخرى قد تكون أجدى لهم، خصوصًا وهم في وكرهم المعلوم! هذه السمفونية هي:

سمفونية استعادة الجمهورية، باعتبار أن الدول كما أسلفنا ليست سلعة وليست ملكية خاصة، يمكن استعادتها في حال تحسن ظروف مالكها، أما الجمهورية فهي صيغة من صيغ أنظمة الحكم في الدول، وتتعلق بركن واحد فقط من أركان الدولة، هو ركن السلطة.

وعلى العازفين للسمفونية الجديدة المقترحة أن يروجوا، وهم يتسولون المساعدة لاستعادة الجمهورية، أن الذين في صنعاء قد استولوا على مؤسسات الدولة وحولوا نظام الحكم فيها من جمهوري ديمقراطي تعددي إلى وراثي ديكتاتوري، وليختاروا وهم يتسولون ويتسكعون الصيغة التي تناسبهم في ترويجهم، فيمكنهم أن يقولوا إن نظام الحكم في صنعاء ملكي أو أميري أو مشيخي أو أي صيغة من الصيغ المعمول بها في النطاق الجغرافي الذي يتحركون فيه، ويتسولون منه المساعدة.

ورغم أن السمفونية المقترح العزف عليها أكثر واقعية ومنطقية فيما لو تبناها أولئك العازفون، لكن أيًا منهم لن يجرؤ على ذلك، باعتبار أن الأوكار التي يندسون فيها، أنظمة حكمها وراثية ديكتاتورية، ولن يروق لها العزف على سمفونية استعادة الجمهورية من أوكار الملكية الوراثية، وهم يقبلون بالعزف على سمفونية (استعادة الدولة)، باعتبار أن العزف على هذه السمفونية لا يحدد طبيعة نظام الحكم في الدولة، وما إذا كان ملكيًا وراثيًا أو جمهوريًا ديمقراطيًا، ومن ثم فالعزف على هذه السمفونية يحقق لمشغلي العازفين أجنداتهم، وأجندات أسيادهم.

وإذا ما تجرأ العازفون- فرضًا- على تبني السمفونية المقترحة (استعادة الجمهورية)، فإننا ننصحهم أن يضمنوا هذه السمفونية مقطوعات تتعلق بطرق إسناد السلطة وتداولها ديمقراطيًا خلال مرحلة حيازتهم لها، ولتكن البداية بعفاش من نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، وكيف شغل منصبه بطريقة ديمقراطية دموية سلسلة؟ وكيف عبث بأمن الوطن ومقدراته؟ وكيف تداول السلطة سلميًا بمفرده؟ أو بالأصح كيف تناولها تارة باليمين وتارة بالشمال! ولمدة خمسة وثلاثين عامًا.

ولا بد أن تتضمن السمفونية المقترحة مقطوعات تتعلق بالتآمر على الوحدة الوطنية، بعد أن تهيأت الظروف الدولية لتحقيقها سلميًا؟ وكيف عمل عفاش بالتعاون مع حزب الإصلاح على تصفية كوادر شريكه في السلطة، وشريكه في التوقيع على اتفاقية الوحدة؟ وكيف استقدم القوى الإرهابية من العرب الأفغان، وأشعل حربًا أهلية دموية سنة 1994 خدمة للسعودية لتتجاوز بها موعد التجديد الثالث لاتفاقية الحدود الموقعة سنة 1934، المعروفة باتفاقية الطائف، ولتدمر بها قوات البلد العسكرية، ومقومات حياة الشعب الاقتصادية.

ولا بد أن تتضمن السمفونية المقترحة نبذة من تحايل عفاش وزمرته في نظامه الديماغوجي على دورات شغل منصب رئاسة الدولة، التي حددها الدستور في صيغته الأولى بدورة واحدة مدتها خمس سنوات فقط، فعدلها عفاش عقب حرب 1994 التدميرية الدموية، لتصبح دورتين مدة كل منهما خمس، وقبل نهايتهما وفي تعديل سنة 2001 رفع مدة كل دورة إلى سبع سنوات، وتصفير العداد، لتبدأ حساب المدة من هذا التاريخ!

وكذلك لا بد من تضمين السمفونية المقترحة، ولو محطة واحدة من محطات الخيانة الديماغوجية العافشية للوطن، تلك المحطة التي أهدر فيها عفاش حقوق الشعب لصالح السعودية مقابل ثمن بخس، وتلك الحقوق سبق أن حفظتها للشعب اتفاقية الطائف لمدة ستة وستين سنة منذ عام 1934 وحتى عام 2000، ومن وقعها تحت التراب رحمة الله عليه، وحين وافق عفاش على اتفاقية جدة لسنة 2000 التي أنهت لصالح السعودية كل المزايا التي تضمنتها اتفاقية الطائف لصالح الشعب اليمني، وقبض عفاش لحسابه الخاص ولزمرته مقابل جريمته ثمنًا بخسًا لا يتجاوز العشرين مليون دولار.

ولا يفوتكم أيها العازفون أن تضمنوا السمفونية المقترحة ديماغوجية عفاشكم في العمالة والارتهان وإباحة الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، تسرح وتمرح فيه مخابرات القوى الأجنبية، ويمكنكم الاستفادة مما هو متاح على شبكات التواصل الاجتماعي من توثيق بالصوت والصورة من ردود عفاش على أسئلة صحفية تتعلق بتواجد (CIA) على الأراضي اليمنية، وعن سبب تواجدهم حين رد حرفيًا قائلًا (نعم هم متواجدون، ويلتقون بقيادات الأحزاب والمشايخ وبيجندوا لهم عملاء)!

ولا يفوتكم أبدًا أيها العازفون تضمين السمفونية المقترحة أي مزية من مزايا ديماغوجيتكم وديماغوجية عفاشكم التي تتباكون عليها، والتي قال الشعب فيها كلمته وأسقطها وأسقطكم وإلى غير رجعة، ومن الآن فصاعدًا سيضغط الشعب على وجوب التحرك من أجل استعادة الدولة للخونة والعملاء

المتواجدين في عدد من دول الجوار لمحاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم بحق الوطن، سواء بأيديهم أو بأيدي مشغليهم، بما وفروه لهم من ذرائع تحت عناوين استعادة الدولة وإسناد الشرعية، ودعم الحكومة المعترف بها دوليًا، وهذه العناوين ليست سوى ذرائع للمشغلين، لتحقيق أهدافهم وفرض أجنداتهم على الجغرافيا اليمنية.

You might also like