دواء مفقود ومطار مغلق.. كيف يضاعف الحصار السعودي معاناة المرضى في اليمن؟

خلف أبواب المستشفيات اليمنية قصص مرضى لا ينتظرون تحسنًا عابرًا، بل جرعة دواء أو جلسة غسيل أو عملية جراحية مرتبطة مباشرة بحياتهم في ظل اتساع هذه المعاناة أمام تأخر الشحنات وتراجع الدعم الإنساني، غير أن سنوات الحصار الأمريكي السعودي وإغلاق مطار صنعاء وتراجع الإمدادات الطبية، وفق وزارة الصحة والبيئة، دفعت القطاع الصحي إلى العمل في مساحة ضيقة بين شح الموارد وارتفاع الاحتياجات، وبينما تحمل الوزارة التحالف السعودي الأمريكي والمنظمات الدولية مسؤولية تفاقم الأزمة، يؤكد الأطباء أن الضحية الأولى لهذا العدوان هي قدرة المريض على الوصول إلى علاج منتظم وآمن.

يمانيون| محسن علي

أزمة تتجاوز الأرقام

في مؤتمر صحفي عقدته هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي بأمانة العاصمة، تصدر الوضع الصحي واجهة الحديث عن تداعيات الحصار المستمر منذ سنوات، وأكد مسؤولون في الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية ووزارة الصحة أن آثار الحصار لا تظهر فقط في انخفاض مخزون دوائي، بل في اضطراب منظومة كاملة تبدأ من الاستيراد والنقل والتخزين، وتمتد إلى المستشفيات وغرف العمليات ومراكز الغسيل الكلوي والطوارئ، ويقول القائمون على القطاع الصحي إن إغلاق مطار صنعاء وتعقيدات نقل الشحنات أدى إلى صعوبة وصول أدوية تحتاج إلى وسائل نقل وسلسلة تبريد خاصة، كما تحدثوا عن انسحاب شركات عالمية من السوق اليمنية، وتأخر شحنات تصل أحيانًا عبر مسارات بديلة، بما يزيد احتمالات تلفها أو انتهاء صلاحيتها قبل وصولها إلى المرضى،وبذلك يتحول الدواء من مادة علاجية يفترض أن تكون متاحة بانتظام إلى مورد نادر يخضع للتأخير والارتفاع في التكلفة.

 

المريض في قلب الأزمة

يشدد نائب رئيس هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي على أن الحديث عن القطاع الصحي لا ينبغي أن يختزل في المباني والأجهزة والأرقام، لأن جوهر القضية يتعلق بحق الإنسان في العلاج والرعاية، فمريض الفشل الكلوي يحتاج إلى جلسات منتظمة، ومريض السرطان يرتبط علاجه بمواعيد وجرعات محددة، بينما يحتاج مرضى القلب والسكري إلى متابعة مستمرة لا تحتمل الانقطاع الطويل، وهنا تزداد خطورة النقص حين يتعلق الأمر بالأمراض المزمنة، لأن العلاج في هذه الحالات ليس تدخلًا مؤقتًا يمكن تعويضه بسهولة؛ فكل تأخير قد يؤدي إلى مضاعفات، وكل انقطاع قد يرفع كلفة العلاج أو يضعف فرص الاستجابة، كما لا تنتهي معاناة المريض عند بوابة المستشفى؛ إذ تواجه الأسر تكاليف التنقل والبحث عن الدواء، إلى جانب الضغط النفسي والخوف من نفاد العلاج أو اضطرارها إلى شراء بدائل مجهولة المصدر.

 

الأنسولين في دائرة الخطر

بحسب بيان وزارة الصحة والبيئة الذي تلي خلال المؤتمر، يواجه نحو مليون ونصف المليون من مرضى السكري نقصًا حادًا في أنواع أساسية من الأنسولين، وأشار البيان إلى احتياج سنوي يتراوح بين 800 ألف ومليون وحدة من الأنسولين المخلوط، مع شبه انعدام توفره، إضافة إلى احتياجات أخرى من الأنسولين الصافي وطويل المفعول وأقراص علاج السكري التي قال البيان إنها غير متوفرة منذ فترة طويلة، كما لا تتوقف المشكلة عند ندرة الصنف الدوائي، بل تتصل كذلك بظروف النقل والحفظ، فقد ذكر البيان أن نقل الأنسولين برًا، بعد إغلاق مطار صنعاء، أدى إلى انقطاع سلسلة التبريد في بعض الحالات، الأمر الذي يهدد فعالية الدواء وسلامته، ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، يجد بعض المرضى أنفسهم أمام سوق سوداء قد تعرض أدوية منتهية أو مغشوشة، وهو خطر يضاعف المرض بدل أن يخففه.

 

أمراض الدم والفشل الكلوي

تشمل قائمة الاحتياجات التي عرضتها وزارة الصحة أدوية ومستلزمات لمرضى الهيموفيليا واضطرابات النزف، إضافة إلى علاجات الثلاسيميا والتكسر الدموي، وهرمون الإريثروبويتين المستخدم في علاج فقر الدم المرتبط بالفشل الكلوي المزمن أو العلاج الكيميائي لمرضى السرطان، كما تحدث البيان عن احتياجات من الهيبارين وهرمون النمو والغلوبيولين المناعي والألبومين ومصل ولقاح داء الكلب، وتوضح هذه القائمة اتساع نطاق الأزمة، إذ لا تقتصر على مرض واحد أو فئة محدودة، بل تمس مرضى يعتمدون على علاجات متخصصة لا تتوافر لها بدائل محلية سهلة، وفي حالة الفشل الكلوي، يرتبط العلاج بجلسات متكررة ومواعيد ثابتة، فيما يحتاج مرضى اضطرابات النزف إلى أدوية قد تكون ضرورية قبل أي إصابة أو عملية جراحية،  ولذلك فإن أي خلل في الإمدادات يضع المستشفيات والأسر أمام قرارات شديدة الصعوبة.

 

غرف العمليات تحت الضغط

يعد نقص أدوية التخدير والإنعاش من أكثر مظاهر الأزمة حساسية داخل المستشفيات. فالتخدير ليس صنفًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه، بل شرط أساسي لإجراء العمليات بأمان، ويؤكد مسؤولو هيئة المستشفى الجمهوري أن غياب هذه الأدوية قد يؤدي إلى تأجيل عمليات عاجلة، وتعطيل تدخلات جراحية، وزيادة المخاطر على المرضى الذين ينتظرون علاجًا لا يحتمل التأجيل، وتزداد التداعيات حدة في العمليات الكبرى، مثل جراحات القلب والأورام، وفي أقسام الطوارئ والعناية المركزة التي تحتاج إلى أدوية إنعاش ومستلزمات متواصلة، فالمستشفى لا يستطيع إدارة الحالات الحرجة بالاعتماد على الجهد البشري وحده، مهما بلغت كفاءة الكوادر، لأن الطب الحديث يقوم على منظومة متكاملة من الدواء والمعدات والطاقة والتخصصات.

 

تراجع الدعم الإنساني

وحمّل بيان وزارة الصحة والبيئة تراجع المنظمات الإنسانية والدولية جانبًا من مسؤولية تفاقم الوضع. وأشار إلى تعليق تمويلات مخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية، والنفقات التشغيلية، والتجهيزات، فضلًا عن توقف المواد الغذائية العلاجية والوقائية في آلاف المرافق الصحية التي تقدم خدماتها للأطفال، كما ذكر البيان أن نسبة تنفيذ خطة الاستجابة الصحية تراجعت من مستويات محدودة في السنوات السابقة إلى أقل من خمسة في المائة عام 2025، وانعدمت، وفق رواية الوزارة، خلال عام 2026، وأشار إلى توقف منظمة الصحة العالمية واليونيسف عن دعم مناطق واسعة، وتراجع إسهام جهات أخرى إلى عدد محدود من المرافق، مؤكدًا أن هذه التدخلات لا تعوض غياب استجابة صحية شاملة، وتكشف هذه الأرقام خطورة ملايين المدنيين أكثر عرضة للمرض والمضاعفات.

 

المطار شريان مغلق

يرتبط الملف الصحي في اليمن ارتباطًا وثيقًا بحركة المنافذ، وفي مقدمتها مطار صنعاء. فإغلاق المطار، وفق وزارة الصحة، حرم مرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج، وأجبر شحنات طبية على سلوك طرق برية أطول وأكثر كلفة وتعقيدًا، كما أدى ذلك إلى تراجع واردات الأدوية، ورفع أعباء النقل والتخزين، وأضعف انتظام وصول المستلزمات إلى المستشفيات، ويطالب المسؤولون بفتح المطار بصورة كاملة ومستدامة، وضمان حرية حركة الطائرات المخصصة لنقل الأدوية ومستلزمات بنوك الدم والمحاليل والمختبرات، كما يطالبون بإنشاء آلية دولية واضحة تضمن عبور المساعدات الطبية إلى جميع المحافظات دون تمييز أو تأخير، لأن أي إجراء يعيق الدواء ينعكس مباشرة على مريض لا يملك ترف الانتظار.

 

الحصار كعبء اقتصادي

لا ينفصل نقص الأدوية عن الانهيار الاقتصادي والتضخم وتراجع قيمة العملة، فحتى عندما يتوافر الدواء في السوق، قد تعجز الأسر عن شرائه بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول، وهكذا تتكون حلقة متشابكة: الحصار يعيق الاستيراد، ونقص المعروض يرفع الأسعار، والتدهور الاقتصادي يقلل القدرة على الشراء، ثم يؤدي انقطاع العلاج إلى مضاعفات تحتاج إلى رعاية أكثر كلفة، فيما تتحمل الأسر العبء الأكبر في هذه الحلقة، خصوصًا الأسر التي تضم مرضى مزمنين أو أطفالًا يحتاجون إلى أغذية علاجية أو أدوية متخصصة، وقد تضطر الأسرة إلى بيع ممتلكات أو الاستدانة أو تقليل نفقات أساسية لتوفير جرعة دواء، فيما تختار أسر أخرى الانتظار حتى تتدهور الحالة. وفي كلتا الحالتين، يصبح المرض عاملًا يهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي، لا مشكلة صحية منفصلة.

 

مسؤولية دولية

في السياق تطالب وزارة الصحة والبيئة بالإفراج عن شحنات الأدوية والمحاليل ومستلزمات بنوك الدم والمختبرات المحتجزة، ووقف ما تصفه بالتفتيش التعسفي والمماطلة، كما تدعو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى التعامل مع صحة اليمنيين باعتبارها التزامًا إنسانيًا وقانونيًا، لا ورقة تفاوض أو أداة ضغط، ومن منظور القانون الإنساني، تظل حماية المدنيين وتأمين وصول العلاج من المبادئ الأساسية في أوقات النزاع. ولذلك فإن الاستجابة المطلوبة لا تقتصر على إرسال شحنة طارئة، بل تشمل ضمان ممرات مستدامة، وتمويلًا منتظمًا، ودعمًا للمستشفيات، وتأهيلًا للكوادر، وتوفيرًا لسلسلة تبريد فعالة، وآليات رقابة تمنع التسرب والفساد وتضمن وصول الدواء إلى مستحقيه.

 

أولوية الإنقاذ

يؤكد مسؤولو هيئة المستشفى الجمهوري استمرار تقديم الخدمات رغم محدودية الإمكانات، لكن استمرار المستشفيات لا يمكن أن يعتمد على قدرة العاملين على التعويض إلى ما لا نهاية، فالمطلوب هو توفير الدواء والمستلزمات والأجهزة والتمويل التشغيلي، إلى جانب حماية العاملين الصحيين وضمان وصول المرضى بأمان، وتبدأ المعالجة العاجلة بتأمين أدوية الأنسولين والتخدير والإنعاش، ودعم مراكز الغسيل الكلوي، واستعادة برامج التغذية، وتوفير علاجات السرطان وأمراض الدم، ثم بناء مخزون استراتيجي يمنع تكرار الانقطاعات، كما ينبغي فتح قنوات تنسيق شفافة بين السلطات والمنظمات والجهات المانحة، بحيث تكون الاحتياجات معلنة، والشحنات قابلة للتتبع، والتوزيع خاضعًا للرقابة.

 

ختاما

تكشف الشهادات التي عُرضت في المؤتمر الصحفي أن الحصار لا يُقاس فقط بعدد الشحنات المتأخرة أو الأدوية المفقودة، بل بعدد المرضى الذين ينتظرون جرعة لا تصل، وعملية تؤجل، وجلسة علاج قد تنقطع، وفي اليمن، تحولت الأزمة الصحية إلى اختبار يومي لحق الإنسان في الحياة والعلاج، بينما تعمل المستشفيات في مواجهة نقص الإمدادات وتراجع التمويل وارتفاع كلفة الوصول إلى الخدمة.

ومهما اختلفت المواقف السياسية من معتد ومعتدى عليه، فإن القوانين الدولية تؤكد حماية المرضى يجب أن تبقى خارج الحسابات العسكرية غير أن  السعودية تجعل منه ورقة ضغط لتشديد المعاناة في اليمن، ففتح المنافذ، وتأمين الدواء، وضمان وصول المساعدات، ودعم المستشفيات، ليست امتيازات سياسيةكما تتخليها الرياض، بل التزامات إنسانية عاجلة، كما إن إنقاذ القطاع الصحي اليمني يتطلب استجابة دولية مستقلة ومستدامة، لأن ترك ملايين المرضى بين انعدام الدواء وإغلاق المطار وتراجع الدعم يعني تحويل المرض إلى عقوبة جماعية، وتأجيل إنقاذ يمكن، في كثير من الحالات، أن ينقذ حياة كاملة.

You might also like