نعمة الهداية والنبي صلوات الله عليه وآله
يمانيون| بقلم: طلال الغادر
في خضم انشغال الأمة بهمومها المتلاحقة، تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف لتضعنا أمام سؤال جوهري: هل استوعبنا عظمة النعمة التي أنعم الله بها علينا بإرسال هذا النبي الكريم؟
إن التأمل في واقع الامة ونعمة الايمان والنعم التي تناولت أعظم النعم على الإطلاق، وهي نعمة الهداية، يقودنا بالضرورة إلى فهم أعمق لمعنى احتفالنا بهذه المناسبة العظيمة؛ فأعظم نعمة أنعمها الله على البشرية ليست في المال أو الصحة أو القوة، بل في الهداية التي تجسدت بالدين الإسلامي الحنيف، وبعثة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وإنزال القرآن الكريم.
يقول تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}، ويؤكد أن الدين الإسلامي هو إتمام للنعمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، لكن المفارقة أن هذه النعمة العظمى قد تغيب عن إدراك الكثيرين؛ لأن الدين يُقدَّم لهم في كثير من الأحيان كمجموعة أحكام جافة، بدلاً من كونه رعاية إلهية تخرج الناس من الظلمات إلى النور.
وهذا القصور في الفهم هو ما يدفع البعض للالتجاء إلى قوى الاستكبار، بحثًا عن عزة زائفة، متناسيًا أن الله هو الرازق القوي العزيز.
في هذا السياق، تأتي احتفالاتنا بالمولد النبوي لتكون أكثر من مجرد فعاليات احتفالية؛ إنها محطة سنوية لتجديد استشعار هذه النعمة العظيمة؛ فمن خلال تذكّر السيرة النبوية واستلهام دروسها، نعيد ربط أنفسنا بمصدر القوة والعزة الحقيقي.
وكما أكد السيد القائد في خطابه الأخير، فإن إحياء هذه الذكرى يهدف إلى تعزيز الارتباط الإيماني بالنبي، والانطلاق نحو بناء النموذج الحضاري الإسلامي، ويُظهر لنا تعامل الأنبياء مع النعم الإلهية الطريق القويم؛ فها هو نبي الله سليمان -عليه السلام- بالرغم من ملكه العظيم وتسخير الجن والريح له، يتوجه بالتواضع والشكر قائلاً: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}.
وها هو نبي الله موسى -عليه السلام- يستشعر نعمة الهداية فيقطع عهدًا: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}، وهذا الموقف النبوي هو جوهر استيعاب النعمة؛ فمن لا يدرك عظمة ما أنعم به الله عليه من هداية، قد يجد نفسه سهلاً في الانحراف عن الطريق، أو في التخاذل عن نصرة الحق، أو حتى في معاونة المجرمين والطغاة.
إن ذكرى المولد النبوي دعوة صريحة لتجديد العهد والموقف، واستشعار النعمة -كما تعلمنا- يمنح الإنسان الحصانة الإيمانية التي تجعله يستهين بكل ضغوط الترهيب والترغيب التي يمارسها الأعداء، ولذلك، حين نتحدث عن الاستعداد لمواجهة أعداء الأمة، وحين نؤكد على خيار الجهاد والمقاومة، فإننا نترجم عملياً شكرنا لله على نعمة الهداية، فالشكر الحقيقي هو توجيه كل الطاقات والأموال والأرواح في سبيل الله ونصرة دينه.
إن ما يعيشه يمن الايمان اليوم من صمود في وجه أعتى قوى الطغيان، هو ثمرة هذا الفهم العميق للنعمة؛ فالمجاهدون والشعوب الحرة استوعبوا أن نعمة الكرامة والعزة التي منحهم الله إياها، هي أغلى من أن ترهن أو تفرط، وهي تستوجب التضحية بكل غالٍ ونفيس للحفاظ عليها.
وبالتالي؛ فإن استيعاب نعمة الهداية ونعمة الإيمان يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة في هذه الأيام المباركة، وعلينا أن ننظر إلى احتفالات المولد النبوي كفرصة لتزكية النفوس، وإعادة حساباتنا مع الله، وتجديد موقفنا من قضايا الأمة، وفي مقدمتها نصرة الشعب الفلسطيني والمقدسات.
وعلينا أن نتذكر دائمًا أن الحفاظ على نعمة الهداية والاستقلال والعزة، هو تحدٍ أكبر من الوصول إليها، وكما قال الإمام الخميني: “إن الحفاظ على الثورة أهم من الثورة نفسها”؛ فلتكن ذكرى المولد النبوي هذا العام، محطة فارقة في حياتنا، نُعلي فيها من شأن نعمة الإيمان، ونترجمها إلى مواقف عملية، ووحدة صف، واستعداد دائم للتضحية في سبيل الله، حتى نكون أهلاً لتحقيق وعده بالنصر والتمكين.