الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار.. آخِرُ مُلُوكِ آلِ الدَّغَّار بِشِبَامِ حَضْرَمَوْت.

[603 - 605هـ / 1206 - 1209م].

يعتبر الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار آخر ملوك آل الدَّغَّار، وَهُوَ الَّذِي اسْتَعَادَ شِبَام حَضْرَمَوْت من يَد آل الأَعْلَم الْحَارِثِيّ سنة [603هـ/1206م]، وَهِيَ سنة ابْتِدَاء حُكمه، وَاسْتَمَرَّ فَقَطْ ثلاث سَنَوَات، وَانْتَهَى حكمه بِمَقْتَلِهِ فِيْ “وَقْعَةِ يَفِل” التي وقعت فِيْ 1 ذي الحجة 605هـ([1])، الْمُوَافِق: 5 يُوْنْيُو 1209م، ثمَّ زَالَتْ دَوْلَة آل الدَّغَّار، وفيما يلي نُبْذَة عنه:

يمانيون / صالح مقبل فارع.

 

◆ اسمه وَنَسَبُهُ، ومكانته، وترتيبه بين الْحُكَّام:

هُوَ: المَلِكُ رَاشِد بن أَحْمَد بن النُّعْمَانِ الدَّغَّارِ، وَيَصِلُ نَسَبُهُ إِلَى سَبَأٍ بن حَضْرَمَوْتَ بن سَبَأٍ.

وينتمي إِلَى أُسْرَة آل الدَّغَّار الَّتِي أسست لَهَا دولةً فِيْ شِبَام حَضْرَمَوْت وحكمتها لأكثر من مائة عَام فِيْ الْقَرْنَيْنِ الرَّابِع وَالْخَامِس الْهِجْرِيّين.

ويعتبر رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار آخر ملوك شِبَام حَضْرَمَوْت من آل الدَّغَّار، وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ مُلُوكِ اليَمَنِ وَحُكَّامِهَا فِيْ الْقَرْن السَّابِع الْهِجْرِيّ، الثَّالِث عشر الْمِيْلادِي، والمَلِكُ الـ13 والأخير من مُلُوكِ دَوْلَةِ آلِ الدَّغَّارِ فِي شِبَامِ حَضْرَمَوْتَ.

وقد جاء راشد في نهاية سلسلة ملوك آل الدَّغَّار، ولذلك يحتل موقعًا مهمًا في تاريخ شبام خلال مطلع القرن السابع الهجري؛ إذ ارتبط اسمه بالمرحلة الأخيرة من الصراع على المدينة بين آل الدَّغَّار والقوى القبلية المنافسة لها.

 

◆ سقوط شِبَام حَضْرَمَوْت بيد آل الأَعْلَم اليماني الْحَارِثِيّ [592هـ/1196م]:

قبل وصول رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار إلى الحكم بنحو عقد من الزمن، تعرضت دولة آل الدَّغَّار لضربة سياسية وعسكرية مهمة.

فَفِيْ سنة [592هـ/1196م] انتقلت السَّيْطَرَة عَلَى شِبَام حَضْرَمَوْت [عَاصِمَة دَوْلَة آل الدَّغَّار] إِلَى آل الأَعْلَم اليماني الْحَارِثِيّين، الَّذِيْنَ يعودون إِلَى [قبيلة نهد]، وأدى ذلك إلى خروج “آل الدَّغَّار” من شِبَام، وانفراد آل الأعلم بالسيطرة عليها.

وَاسْتَمَرَّ آل الأَعْلَم مسيطرين عَلَى شِبَام حَضْرَمَوْت حَوَالَيْ 10 سَنَوَات، إِذْ لم يخرجوا مِنْهَا إِلَى فِيْ سنة [603هـ/1206م].

 

◆ آل الدَّغَّار يستعيدون شِبَامًا من آل الأَعْلَم الْحَارِثِيّ [603هـ/1206م]:

وبعد عشر سَنَوَات من سيطرة آل الأَعْلَم الْحَارِثِيّ عَلَى شِبَام حَضْرَمَوْت؛ تَمَكَّنَ آل الدَّغَّار بِرِئَاسَةِ [رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار] من استعادة الْعَاصِمَة شِبَام حَضْرَمَوْت وَالسَّيْطَرَة عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ بعد مَعْرَكَة جرت بينهما عَلَى أَبْوَابِ شِبَام فِيْ رَبِيْع الآخر 603هـ / نُوْفَمْبَر 1206م، قُتل فِيْهَا رَئِيْس آل الأَعْلَم رَاشِد بن الأَعْلَم الْحَارِثِيّ، كَمَا قُتل جعفر بن أَحْمَد بن نعمان الدَّغَّار [شقيق الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان]؛ وقُتل فيها سودان بن راشد بن أبي الليل بن يماني الحرامي الكندي، فاستعاد رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار شِبَامًا وَمِنْهَا ابتدأت دولته([2]).

 

◆ صعوده إِلَى الحكم:

مما سبق يتبين لَنَا أن الملك رَاشِد بن أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار تَوَلَّى عَلَى الْعَرْش فِيْ رَبِيْع الآخر 603هـ/ نُوْفَمْبَر 1206م، وَذَلِكَ بعد أن اسْتَعَادَ شِبَام حَضْرَمَوْت وَطَرَدَ قبيلة آل الأَعْلَم الْحَارِثِيّ مِنْهَا.

 

◆ عاصمته ونفوذه:

عَاصِمَة الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار هِيَ مَدِيْنَة شِبَام حَضْرَمَوْت، أما نفوذه فقد اقتصر عَلَى مَدِيْنَة شِبَام حَضْرَمَوْت وَمَا تبعها وجاورها من مَنَاطِق فَقَطْ.

وَهَذَا يدل عَلَى أنه لم يكن حاكم حَضْرَمَوْت الْوَحِيْد؛ ناهيك عَن الْيَمَن؛ أي كَانَ الْيَمَن فِيْ عهده مقسمًا بين عدة ملوك وَأُمَرَاء هُوَ أحدهم.

 

◆ مُدَّة حُكْمِهِ:

لم يَدُم حُكْمُ الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار طويلًا؛ إذ لم يتجاوز نحو ثلاث سَنَوَات فَقَطْ، من سنة [603هـ/1206م]، إِلَى سنة [605هـ/1209م]، وَذَلِكَ خِلال الْفَتْرَة: [603 – 605هـ / 1206 – 1209م].

غير أن قِصَرَ المُدَّةِ لا يعني أن عهده كان هادئًا، فقد تَوَلَّى الحكم في بيئة سياسية وعسكرية مضطربة، كانت فيها السيطرة على شبام موضع تنازع بين القوى المَحَلِّيَّة.

وكان عليه أن يحافظ على الْمَدِيْنَة التي استعادها آل الدَّغَّار بعد سنوات من فقدانها، وأن يواجه القوى التي لم تتخلَّ عن طموحها في استعادة نفوذها.

وبذلك يمكن النظر إلى حكمه باعتباره مرحلة دفاع عن الوجود السياسي الأخير لآل الدَّغَّار أكثر من كونه مرحلة توسع وبناء دولة مستقرة.

 

◆ الصراع مع آل الأعلم وقبائل نهد:

ظل الصراع بين الطرفين [آل الدَّغَّار وآل الأَعْلَم] مفتوحًا بعد استعادة آل الدَّغَّار لشبام.

وكان الطرف المقابل مرتبطًا بآل الأعلم اليماني الحارثيين، وهم، بحسب الروايات التي اعتمدها مؤرخو حضرموت، من القوى القبلية ذات النفوذ في المنطقة.

ومن ثم فإن تاريخ راشد الدَّغَّار لا يمكن فصله عن الصراع القبلي والسياسي على شبام ووادي حضرموت.

وقد انتهى هذا الصراع في عهد راشد إلى المواجهة الحاسمة التي عُرفت باسم “وَقْعَة يَفِل“.

 

◆ نِهَايَة حُكمه [605هـ/1209م]:

انْتَهَى حكم الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار بمقتله عَلَى يَد آل الأَعْلَم الْحَارِثِيّ فِيْ مَنْطِقَة يَفِلْ؛ وَذَلِكَ فِيْ 1 ذي الحجة 605هـ([3])، الْمُوَافِق: 5 يُوْنْيُو 1209م.

 

◆ وَقْعَة يَفِل [605هـ/1209م]:

وقعة “يَفِل” أو وقعة جفل في حَضْرَمُوْت وقعت بين قبائل شبام حَضْرَمُوْت ممثلة فِيْ آل الدَّغَّار وقبائل “نهد” الحضرمية فِيْ 1 ذي الحجة 605هـ([4])، الْمُوَافِق: 5 يُوْنْيُو 1209م؛ قُتِل فيها السُّلْطَان رَاشِد بن أَحْمَد بن النُّعْمَان الدَّغَّار [آخر ملوك آل الدَّغَّار] في أناس من كِنْدَةَ وشبام؛ وقتل أبناء شماخ عمرو ومنصورًا وشرية بن معين ورجال من ظبيان قريبًا من ثلاثين الجميع؛ وأُدخِل أهل شبام بني حارثة في ذلك اليوم شبام؛ وملكها آل يماني بن الأعلم.

 

◆ مَقْتَلُهُ:

قُتِلَ الملك رَاشِد بن أَحْمَد بن النُّعْمَان الدَّغَّار فِيْ 1 ذي الحجة 605هـ([5])، الْمُوَافِق: 5 يُوْنْيُو 1209م، وَذَلِكَ فِيْ وَقْعَة يَفِل الَّتِي وقعت بينه وبين آل يَمَانِيّ بن الأَعْلَم الْحَارِثِيّ فِيْ مَنْطِقَة يَفِلْ بِشِبَامِ حَضْرَمَوْت.

 

◆ زَوَال دَوْلَة آل الدَّغَّار وقيام دَوْلَة آل يَمَانِيّ بن الأَعْلَم:

بِمَقْتَلِ الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار انْتَهَتْ وزالت دَوْلَة آل الدَّغَّار من شِبَام حَضْرَمَوْت، ومن الْيَمَن ككل بعد أن حَكَمَتْ شبامًا لأكثر من 141 سنة([6])، وتعاقبَ عَلَيْهَا 13 ملكًا، آخرهم رَاشِد بن أَحْمَد بن النُّعْمَان الدَّغَّار.

وَبِمَقْتَلِهِ أَيْضًا سَيْطَرَ آل الأَعْلَم اليماني الْحَارِثِيّ عَلَى شِبَام حَضْرَمَوْت وملكوها وأسسوا لَهُمْ فِيْهَا دَوْلَة سُمِّيَت بدولة آل يَمَانِيّ، وهكذا الأيام دُوَل، تزول دولة وتأتي دولة، ولا باقي إلا مُلك الله عز وجل.

 

◆ أهمية الملك راشد في تاريخ حَضْرَمَوْت:

تنبع أهمية رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار من كونه آخر ملوك آل الدَّغَّار، ومن ارتباط عهده بأحداث مفصلية في تاريخ شبام.

فقد بدأ عهده باستعادة المدينة من خصوم الأسرة، وانتهى بمقتله وسقوط دولته.

ومن هذه الزاوية يمثل حكمه الحلقة الأخيرة في تاريخ دولة آل الدَّغَّار، كما يمثل نموذجًا لطبيعة التحولات السياسية في حضرموت خلال القرنين السادس والسابع الهجريين.

ولا تكمن أهميته في طول مدة حكمه، وإنما في موقعه التاريخي؛ فقد كان الملك الذي استعاد شِبَام حَضْرَمَوْت ثم فقدها نهائيًا، وكان مقتله إيذانًا بانتهاء سلالة سياسية ارتبط اسمها بشبام فترة طويلة.

 

◆ الخلاصة:

كان الملك رَاشِد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار آخر ملوك آل الدَّغَّار في شبام حضرموت، وقد تولى الحكم سنة 603هـ/1206م بعد نجاح آل الدَّغَّار في استعادة شبام من آل الأعلم اليماني الحارثيين.

وقد جاء حكمه في أعقاب مرحلة طويلة من الصراع على المدينة، إذ كان آل الأعلم قد سيطروا عليها منذ سنة 592هـ/1196م.

وبعد استعادة شبام اندلع الصراع من جديد، وانتهى في 1 ذي الحجة 605هـ/5 يونيو 1209م بوقعة يَفِل التي قُتل فيها راشد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار.

وبمقتله انتهت دولة آل الدَّغَّار، وانتقلت السيطرة على شبام إلى آل يماني بن الأعلم.

وعليه، فإن راشد أَحْمَد نُعْمَان الدَّغَّار لا يُذكر في تاريخ حضرموت بوصفه آخر ملوك أسرته فحسب، بل بوصفه الشخصية التي ارتبط بها الفصل الأخير من تاريخ آل الدَّغَّار السياسي في شبام.

وهكذا الأيام دُوَل، تزول دولة وتأتي دولة، ولا باقي إلا مُلك الله عَزَّ وَجَلَّ.

 

◆ المصادر والمراجع:

تَارِيْخ حَضْرَمُوْت للحامد: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، تأليف: صَالِح الْحَامِد، مكتبة الإرشاد، صَنْعَاء الْيَمَن، توزيع: مكتبة تريم الحديثة، الطبعة الثانية 1423هـ – 2003م.
تَارِيْخ شَنبَل: تَارِيْخ حَضْرَمَوْت، المعروف بـ”تَارِيْخ شَنْبَل“، تأليف: العلامة المؤرخ أحمد عَبْداللَّهِ شَنْبَل، المتوفي سنة 620هـ، تَحْقِيْق: عَبْداللَّهِ مُحَمَّد الحِبْشِي، الناشر: مكتبة صنعاء الأثرية، الطبعة الأولى 1415هـ- 1994م. الطبعة الثانية، 1424هـ – 2003م.
جواهر تاريخ الأحقاف، تأليف: محمد علي عوض باحنَّان، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ- 2008م.

◆ الهوامش:

([1]) تَارِيْخ شَنبَل 69، تاريخ حضرموت للحامد 423، 453، 608.
([2]) تَارِيْخ شَنْبَل 65، جواهر تَارِيْخ الأحقاف صـ405-406، تَارِيْخ حَضْرَمَوْت للحامد 413.
([3]) تَارِيْخ شَنبَل 69، تاريخ حضرموت للحامد 423، 453، 608.
([4]) تَارِيْخ شَنبَل 69، تاريخ حضرموت للحامد 423، 453، 608.
([5]) تَارِيْخ شَنبَل 69، تاريخ حضرموت للحامد 423، 453، 608.
([6]) تاريخ حضرموت للحامد ص419 وما بعدها، وص608 وَمَا بعدها.

* * *

 

You might also like