الشهادة بين إخلاص الدافع وثبات الموقف: قراءة في كتاب «ثقافة الشهادة»

ليست الشهادة في المنظور الذي يعرضه كتاب «ثقافة الشهادة وفق المنظور القرآني» لقباً يُمنح لكل من ضحّى، ولا معنى منفصلاً عن دوافع الإنسان وقضيته؛ إنها قيمةٌ يضبطها سؤالان: في أي سبيل كانت التضحية، ولأي غاية؟ ومن هذا المدخل وفق النصوص القرآنية، يبني الكتاب قراءته على مفاهيم قرآنية تتصل بالإيمان والاختبار والكرامة وتحمل المسؤولية.

يمانيون| محسن علي

صدر كتاب «ثقافة الشهادة» في طبعته الأولى عام 2020، وجُمعت مادته من كلمات أُلقيت في مناسبات سنوية للشهيد، ويقدّم الكتاب الذي أعده يحيى قاسم أبو عواضة الشهادة باعتبارها مفهوماً دينياً وأخلاقياً متكاملاً، لا حدثاً منفرداً ينتهي عند لحظة التضحية، فقد وضعت الافتتاحية هذه الذكرى في إطار استلهام الدروس، واستمداد العزم، واستحضار مسؤولية المجتمع تجاه الشهداء وأسرهم.

 

في سبيل الله

يتمحور طرح الكتاب حول عبارة «في سبيل الله» بوصفها معياراً يميّز الشهادة في المفهوم القرآني فالتضحية، كما يشرح، لا تكتسب معناها من وقوعها وحده، بل من عدالة القضية ونبل المقصد ونقاء الدافع، ويقابل بين دافعٍ إيماني وأخلاقي يرفض الطمع والبغي والاستكبار وطلب السمعة، ودوافع أخرى قد تدفع إلى القتال أو الموت من أجل مصالح أو أهواء، وبذلك يجعل الكتاب النية والغاية جزءاً أصيلاً من فهم الشهادة، لا تفصيلاً هامشياً فيها.

 

الوفاء بعهد إيماني

وفي إسناد هذا المعنى، يستحضر الكتاب آية المبايعة في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ويقرأها باعتبارها تعبيراً عن منزلة البذل حين يكون وفاءً بعهدٍ إيماني، ومن هذا المنطلق، يربط قيمة الإنسان بجوهره الأخلاقي، ويعرض الشهادة بوصفها عطاءً في سبيل قضية عادلة، لا تمجيداً للفقد بمعزل عن مضمونه.

 

التضحية ميدان للإختبار والمسؤولية

ثم ينتقل الكتاب من معنى التضحية إلى طبيعة الحياة نفسها، مقدّماً إياها ميداناً للاختبار والمسؤولية، ويستشهد بقصة آدم وإبليس وبآيات الابتلاء، ليقول إن الإيمان لا يُقاس بالادعاء وحده، بل يظهر في المواقف حين تتكشف الخيارات وتُختبر المبادئ، وفي هذا السياق، تصبح الأحداث، بحسب قراءته، كاشفةً عن صدق الانتماء وثباته، وعن قدرة الإنسان على التمييز بين الحق والباطل.

 

وبشر الصابرين

وتحضر آيات سورة آل عمران، ولا سيما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أساساً لدرسٍ في الصبر والثبات، فالكتاب لا يدعو إلى إنكار الحزن على الشهداء، بل يضعه إلى جانب واجب مواصلة الطريق، وعدم السماح للألم بأن يتحول إلى وهنٍ أو تراجع عن المبادئ، كما يربط بين الابتلاء وتمحيص المواقف، مستحضراً الآيات التي تذكر الشهداء والصابرين، وتؤكد امتداد أثر العمل إلى الآخرة.

 

توثيق مسيرة حياة الشهداء

ولا يكتفي الكتاب بتأطير الشهادة في معناها الفردي، بل يوسعها إلى ما تتركه من أثر في المجتمع، فالسيرة، والبطولة، والأخلاق، والصبر، والتضحيات، عناصر يراها جديرة بالتوثيق والتعريف، لأنها تجعل من الشهيد قدوةً حية في ذاكرة المجتمع، ومن هنا، تصبح الذكرى السنوية فرصةً لاستعادة النماذج والقيم، لا مناسبةً عاطفية عابرة.

 

الوفاء للشهداء

وتكتمل هذه الرؤية بالتشديد على واجب الأحياء: تحمل المسؤولية، ورعاية أسر الشهداء، وصون القيم التي ارتبطت بالتضحية، كما يربط بين مفاهيم الشهادة والجهاد والكرامة والاستقلال ومقاومة الظلم، في قراءةٍ تعكس موقفه السياسي والفكري، مستنداً إلى الآيات التي تحث على الصبر والثبات ونصرة المستضعفين.

 

ختاما

في محصلته، يرسم «ثقافة الشهادة» معنى يتجاوز لحظة الرحيل إلى ما تتركه من أمانةٍ في أعناق الأحياء: أن تُصان سيرة الشهيد من النسيان، وأن تتحول ذكراه إلى عملٍ ومسؤولية، وأن تُوزن التضحية بميزان النية والحق والخلق، وهكذا لا تبقى الشهادة في صفحات الكتاب رثاءً للماضي، بل دعوةً إلى أن يكون الوفاء لها سلوكاً حاضراً، تُترجمه الرحمة بأهل الشهداء، والثبات على القيم، وخدمة الإنسان.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط ادناه لتحميل الكتاب.

كتاب ثقافة الشهادة

You might also like