كتاب «الفائزون».. ذاكرة قرآنية تُعيد تعريف التضحية والكرامة والانتصار

يعد كتاب “الفائزون” الصادر عن مكتب سماحة قائد الثورة- يحفظه الله-، سجل فكري ووجداني يمتد لعشر سنوات، نظراً لتميزه برصد تحولات الخطاب اليمني القرآني حول الشهادة والعدوان والصمود والكرامة، ويفتح نافذة مختلفة على معنى الانتصار الذي يبدأ من صدق المنطلق، ويتجسد في الاستعداد للتضحية، ويكتمل بحفظ الأحياء لأهداف الشهداء، وبينما تجمع صفحاته كلمات الذكرى السنوية للشهيد من عام 1435هـ إلى عام 1444هـ، يقدم للقارئ تصورًا متكاملًا يرى في الشهيد عنوانًا للوعي والعمل والمسؤولية، لا مجرد اسم يُستعاد في المناسبات.

يمانيون| محسن علي

بطاقة تعريف بالكتاب

يحمل الكتاب عنوان “الفائزون”، وتصدر منه الطبعة الرابعة في جمادى الأولى 1445هـ، وهو عبارة عن مجموعة كلمات ومحاضرات ومواد فكرية أُعدت بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد خلال الفترة الممتدة من 1435هـ إلى 1444هـ،ووفق النسخة الرقمية المرفقة، يقع الكتاب في نحو 280 صفحة، فيما يمتد ترقيم المتن الأساسي إلى الصفحة 262، قبل أن تُضاف إليه مقتطفات مختارة عن الشهادة.

ولا يقدّم الكتاب اسم مؤلف فردي بالمعنى التقليدي، لأنه عمل تجميعي يضم مواد الذكرى السنوية للشهيد ومحاورها المتعاقبة، إلى جانب مقتطفات من محاضرات الشهيد القائد السيد حسين بن بدر الدين الحوثي، وتشير بيانات الإصدار إلى أن صفّه وإخراجه تمّا في مكتب السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، كما يورد الإصدار موقع شبكة البينات الثقافية مصدرًا إلكترونيًا للتعريف بالمواد ونشرها، وتمنح هذه البيانات الكتاب قيمة توثيقية، إذ تحدد سياقه ومصدر مواده والمرحلة التي تشكل خلالها.

 

مفهوم الفائزون

يفتتح «الفائزون» مساره من المفهوم المركزي الذي يختزنه العنوان، فالفائزليس من ينجو من الألم أو يطيل البقاء فحسب، بل من يثبت على مبدأ عادل، ويخلص في عمله، ويتحمل مسؤوليته عندما تتعرض الأمة للعدوان أو الابتزاز أو الإذلال، وبذلك يضع الكتاب الشهيد في موقع النموذج الذي يجمع بين الإيمان والوعي، وبين القناعة والفعل، وبين التضحية من أجل القضية وحماية المجتمع.

وتكشف أبواب الكتاب الأولى عن محاولة لتأسيس المفهوم قبل الانتقال إلى تطبيقاته، فهي تتناول إخلاص العمل وسلامة المنطلق، ومشروعية التحرك في مواجهة العدوان، ودور الشعوب في حماية قرارها، والتحذير من الارتهان للقوى الخارجية، كما تربط بين ثقافة الشهادة وثقافة الكرامة، في مقابل ما يصفه الكتاب بثقافة الإذلال والهوان، مؤكدًا أن التضحية لا تكون قيمة في ذاتها ما لم ترتبط بهدف أخلاقي ووطني واضح.

 

طبيعة الصراع

ومع توالي السنوات، ينتقل الخطاب من التعريف بالشهادة إلى تحليل الواقع المحيط بها، يناقش الكتاب طبيعة الصراع، وأهداف قوى الاستكبار، وأساليب الخصوم في تفكيك المجتمعات وإضعاف إرادتها، كما يتوقف عند مخاطر التثبيط والإرجاف والحياد السلبي، وفي هذا السياق، يظهر الصمود بوصفه حصيلة وعي جماعي، لا مجرد قدرة على الاحتمال؛ فالمجتمع، بحسب الرسالة العامة للكتاب، لا يحمي استقلاله بالإمكانات المادية وحدها، بل بوضوح قضيته وتماسكه واستعداده لتحمل تبعات موقفه.

 

الوفاء للشهداء.. مسؤولية مستمرة

ومن أكثر المحاور حضورًا تحديد واجب الأحياء تجاه الشهداء، فالوفاء، كما يعرضه الكتاب، لا يختزل في الخطب واللافتات، بل يتجسد في رعاية أسر الشهداء، والاهتمام بأبنائهم، وصون القيم التي ضحى الشهداء من أجلها، ومواصلة العمل الذي يمنح تضحياتهم معناها، وهنا يتحول الكتاب من خطاب عن الماضي إلى نداء عملي للحاضر، يحمّل المجتمع مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة.

ولا يقف الإصدار عند التجربة اليمنية وحدها، بل يضعها ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع، متناولًا قضايا فلسطين والعراق واليمن، ومنتقدًا الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية وأدوار القوى المتحالفة معها، كما يقدم الشهادة بوصفها موقفًا من الظلم والاحتلال ومصادرة القرار، لا مجرد عنوان عسكري، مؤكدًا أن نصرة القضايا العادلة تبدأ من الوعي، ثم تتحول إلى سلوك اجتماعي وسياسي منظم.

وتكتسب الصفحات الختامية أهمية خاصة، لأنها تضم مقتطفات من محاضرات الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي حول استقبال الشهادة، ورفض الاستسلام، وتحمل المسؤولية، والتمييز بين الخسارة المادية العابرة والخسارة الحقيقية المتمثلة في التفريط بالمبدأ، وبذلك تصل هذه المقتطفات بين المنطلقات الفكرية الأولى والخطاب الذي تبلور لاحقًا في مناسبات الذكرى السنوية للشهيد.

وبقراءة مهنية، فإن «الفائزون» ليس بحثًا تاريخيًا محايدًا ولا دراسة أكاديمية مقارنة، بل وثيقة فكرية ذات موقف ديني وسياسي واضح، وتكمن أهميته في أنه يحفظ مسار خطاب كامل، ويرصد كيف انتقلت ذكرى الشهيد من مناسبة سنوية إلى منظومة من المفاهيم المتعلقة بالكرامة والصمود والتكافل والالتزام الوطني، كما يقدم مادة يمكن للباحثين والمهتمين من خلالها دراسة تطور الوعي العام خلال عقد من التحولات والصراعات.

 

الرسالة الأبرز

في محصلته، يقدّم كتاب «الفائزون» الشهيد باعتباره ذاكرة حية وقيمة متجددة، لا صفحة من الماضي ولا صورة معلقة على جدار، وتبقى رسالته الأبرز أن تكريم الشهداء لا يكتمل بترديد أسمائهم، بل بحماية أسرهم، وصون أهدافهم، وتحويل قيمهم إلى عمل ووعي وتكافل وصمود.

ومن هذه الزاوية، يصبح الكتاب دعوة إلى أن يكون الوفاء للشهداء فعلًا يوميًا، وأن يتحول النصر الذي حملوه في تضحياتهم إلى مسؤولية يحملها الأحياء في حاضرهم ومستقبلهم.

للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.

كتاب الفائزون – الطبعة الرابعة

You might also like