باب المندب.. النار التي تلتهم الجيش السعودي ومرتزقته

معركة كسر الإرادة وإجهاض رهانات السيطرة،  ومضيق يمني لن يكون للغزاة فيه موطئ قدم،  فلماذا يستميت العدو السعودي للسيطرة على باب المندب؟ وما الذي يدفعه إلى تكثيف الغارات الجوية والزج بقواته والتشكيلات الموالية له من المرتزقة في هجمات متكررة؟ إنها معركة تتجاوز حدود اليمن، لتكشف صراعاً على النفوذ والممرات البحرية، تتقاطع فيه حسابات الرياض مع مصالح العدو الصهيوأمريكي،  وتصطدم فيه رهانات الهيمنة بإرادة اليمنيين في حماية سيادتهم.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

باب المندب.. عقدة المشروع وأخطر أوراق الصراع

ليس باب المندب مجرد مضيق بحري، بل شريان استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتنعكس السيطرة عليه على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة والمصالح العسكرية للدول الكبرى، ومن هذه الأهمية تنبع الاستماتة من قبل العدو السعودي في محاولة فرض واقع عسكري يخدم مصالحه ومصالح حلفائه؛ فامتلاك النفوذ على هذا الممر يمنحه ورقة استراتيجية مؤثرة، فيما يمثل فقدان القدرة على التأثير فيه ضربة لحساباته الإقليمية، ويمنح اليمن أوراق ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، إنها معركة على الجغرافيا والنفوذ، وعلى من يمتلك الكلمة المؤثرة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

العدو الصهيوأمريكي .. مصالح تتقاطع خلف التصعيد

لا يمكن فصل أهمية باب المندب عن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية؛ فواشنطن تنظر إلى أمن الملاحة باعتباره جزءاً من حماية نفوذها الاستراتيجي، بينما يمثل البحر الأحمر ممراً حيوياً للمصالح التجارية الخاصة بالعدو الإسرائيلي، ولا سيما المرتبطة بميناء إيلات، ومن هذا المنطلق، فإن أي قوة يمنية تمتلك القدرة على التأثير في أمن الملاحة تفرض معادلة جديدة على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وتحد من حرية الحركة التي اعتادت القوى الكبرى التمتع بها، ويتقاطع ذلك مع مساعي العدو السعودي لاستعادة مواقع استراتيجية وتعزيز نفوذها على الساحل الغربي، وسط تقارير عن دعم استخباراتي أمريكي للعمليات السعودية،  والتصعيد يجري في بيئة تتداخل فيها الحسابات السعودية مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مع تطابق أهداف جميع الأطراف في كل مرحلة.

مئات الغارات.. هل تصنع النار انتصاراً؟

إن تكثيف الغارات الجوية وتكرار الهجمات البرية يكشفان حجم الرهان على تغيير المعادلة الميدانية بالقوة، وإضعاف القوات المسلحةاليمنية ، وتهيئة الطريق أمام قوات العدو السعودي ومرتزقته لاستعادة المواقع الاستراتيجية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، إذا كان التفوق الجوي كافياً لحسم المعركة، فلماذا تحتاج العمليات إلى التصعيد المتكرر؟
الحقيقة العسكرية أن الغارات، مهما بلغت كثافتها، لا تضمن وحدها السيطرة على الأرض، ولا تحسم معركة تتداخل فيها الجغرافيا المعقدة والإمدادات وتماسك القوات والإرادة القتالية،
فكل هجوم لا يحقق أهدافه يتحول إلى عبء إضافي، وكل جولة تصعيد تستنزف الموارد وتضاعف كلفة المواجهة، بينما تظل النتائج مرهونة بقدرة القوات المهاجمة على تثبيت مكاسبها، لا بمجرد إعلان انطلاق العمليات، كلما ارتفعت كلفة الهجمات دون تحقيق حسم استراتيجي، ازدادت احتمالات تحول المعركة من محاولة لاستعادة النفوذ إلى استنزاف طويل الأمد.

جيش العدو السعودي ومرتزقته.. اختبار قاسٍ للإرادة والقدرة

إن عنوان النار التي تلتهم الجيش السعودي ومرتزقته يلخص الرؤية التعبوية التي ترى في معركة باب المندب اختباراً لقدرته على فرض إرادته بالقوة،  فالعمليات المتكررة تفرض أعباء متصاعدة على قواته، من تكاليف الإسناد الجوي والإمداد إلى تحديات التنسيق بين التشكيلات الموالية له من المرتزقة، وصعوبة الاحتفاظ بالمواقع في بيئة قتالية معقدة،  كما أن تعدد التشكيلات واختلاف بنياتها القيادية قد يعقد تنفيذ عمليات برية متماسكة، مهما بلغ حجم الدعم الخارجي، والمعيار الحقيقي ليس عدد الطائرات التي تحلق، ولا حجم النيران التي تُطلق، بل قدرة هذه القوة على فرض واقع مستقر، أم أنها تغرق في دوامة الهجمات المتكررة والاستنزاف.

باب المندب يمني.. ولن يكون للغزاة فيه موطئ قدم

باب المندب يمني الهوية والسيادة، وسيبقى كذلك، ولن تمنح الغارات ولا الحشود العسكرية ولا رهانات الهيمنة الأجنبية الغازية حقاً في أرضه أو سواحله،  فالموقع الاستراتيجي لليمن ليس غنيمة مستباحة، وممراته البحرية ليست ملكاً لا للعدو السعودي ولا لأسياده العدو الصهيوأمريكي ،  حتى تعيد تشكيل واقعها بالقوة، بل جزء من سيادة وطن لا تسقط حقوقه تحت وطأة العدوان، إن الاستماتة في السيطرة على باب المندب تكشف حقيقة أطماع تتجاوز حدود اليمن، تسعى إلى تطويع موقعه الجغرافي لخدمة مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي،  لكن هذه الرهانات تصطدم بحقيقة أن السيطرة على الأرض ليست نزهة عسكرية، وأن التفوق الناري لا يمنح شرعية للاحتلال، ولا يحوّل العدوان إلى حق، ولا يجعل من الأطماع واقعاً مشروعاً، لن يكون باب المندب بوابة للهيمنة على اليمن، ولن يتحول إلى قاعدة لتطويق إرادته الوطنية،  وأي محاولة لفرض السيطرة عليه بالقوة ستظل مغامرة محفوفة بالمخاطر، تتوقف نتائجها على حقائق الميدان وقدرة اليمنيين على حماية أرضهم وسيادتهم، إن أمن الملاحة لا يُبنى بالعدوان، والاستقرار لا تصنعه الغارات، والممرات الدولية لا تُحمى بتحويل سواحل الدول إلى ساحات للوصاية والتدخل، باب المندب يمني.. وسيبقى يمنيّاً، ولن يكون للغزاة فيه موطئ قدم.

نيران التصعيد لا تضمن النصر

تكشف معركة باب المندب حجم الرهانات التي تتجاوز حدود اليمن، وتبرز ارتباط الصراع المحلي بحسابات الأمن البحري والنفوذ الإقليمي والمصالح الدولية،  إن الرهان السعودي على الحسم بالقوة يظل معرضاً للتحول إلى استنزاف مكلف ما لم يحقق أهدافه؛ فالغارات المكثفة ليست صكاً للانتصار، والتفوق الجوي لا يضمن السيطرة المستدامة على الأرض، كما أن الدعم الخارجي لا يلغي تعقيدات الميدان، وفي المقابل، فإن تحويل المضيق إلى ساحة حرب مفتوحة يحمل مخاطر على الاقليم والملاحة وحركة التجارة الدولية، ويجعل حماية السيادة مسؤولية لا يمكن تجاهلها،  باب المندب ليس نزهة عسكرية، واليمن ليس أرضاً مستباحة، وسيادته ليست ورقة تفاوض في أيدي القوى الخارجية، إنها معركة إرادات تتصادم فيها مشاريع السيطرة مع حقائق الجغرافيا والسيادة، وستظل نتائجها مرتبطة بما تثبته الوقائع على الأرض، لا بضجيج الطائرات ولا بحجم التهديدات، باب المندب يمني وسيبقى يمنيّاً.. ولن يكون للغزاة فيه موطئ قدم.

You might also like