حين يتقدم المجتمع إلى الميدان.. طرق تُفتح، وأراضٍ تُزرع، وخدمات تُبنى بالتكافل لتصنع الفارق

 بعيدًا عن ضجيج الخطط الورقية، ترسم المبادرات المجتمعية في عدد من المحافظات اليمنية صورة مختلفة للتنمية؛ صورة تبدأ من مساهمة الأهالي، وتستند إلى دور الجمعيات التعاونية، وتتكامل مع دعم السلطات المحلية والجهات الرسمية، ففي قرى اليمن ومديرياته، لا تُقاس التنمية بحجم الإمكانات المتاحة، بل بقدرة المجتمع على تحويل الحاجة إلى مبادرة، والمشكلة إلى مشروع، والتحدي إلى فرصة للعمل المشترك، فمن مدرسة تحتاج إلى استكمال مبانيها، وطريق تعوقه الصخور والسيول، وأرض زراعية تنتظر العودة إلى الإنتاج، تتشكل مبادرات محلية تؤكد أن التكافل الاجتماعي لم يعد شعارًا، بل أصبح وسيلة عملية لتحسين الخدمات ودعم الاقتصاد وحماية مستقبل الأجيال.

يمانيون| محسن علي

تكشف المبادرات المجتمعية المنفذة في عدد من المديريات عن حراك تنموي متنوع، لم يعد يقتصر على معالجة الاحتياجات العاجلة، بل اتجه إلى بناء مشاريع أكثر ارتباطًا بمستقبل المجتمعات المحلية، وقد توزعت هذه المبادرات بين استكمال المنشآت التعليمية، وتحسين شبكة الطرق، ومواجهة أضرار السيول، ودعم المزارعين، وتنظيم الإنتاج والتسويق، بما يؤكد اتساع مفهوم العمل التعاوني وتحوله إلى أداة فاعلة في إدارة التنمية المحلية.

التعليم.. مساهمة مجتمعية في بناء المستقبل
في مديرية ملحان بمحافظة المحويت، جسدت مبادرة استكمال أعمال مدرسة عائشة للبنات نموذجًا واضحًا لدور المجتمع في دعم العملية التعليميةـ شملت صبّيات سطح المدرسة، وبناء وتلييس خزان للمياه بطول ستة أمتار وعرض 2.20 متر وارتفاع 2.70 متر، إلى جانب إنشاء فصلين دراسيين جديدين.
واستند المشروع إلى مساهمات مجتمعية تجاوزت 70 بالمئة من تكلفته الإجمالية المقدرة بنحو 910 آلاف ريال، وأسهمت طالبات المدرسة بمبلغ 145 ألفًا و500 ريال، فيما قدمت وحدة التدخلات مادة الإسمنت، وتكفل القائمون على المبادرة بنقل الأحجار والمواد وتأمين أجور العمالة، ولا تبرز أهمية المشروع في مكوناته الإنشائية فحسب، بل في الرسالة التي حملها: أن المجتمع قادر على حماية حق أبنائه في التعليم من خلال المشاركة المباشرة وتحمل المسؤولية.

الطرق.. فك العزلة وتحسين حركة المواطنين
احتلت مشاريع الطرق مساحة واسعة من المبادرات، نظرًا لارتباطها المباشر بحياة السكان، ونقل المنتجات، والوصول إلى الخدمات الأساسية، ففي وصاب العالي بمحافظة ذمار، بدأ الأهالي رصف عقبة «الزراعي» بقرية موركة بتمويل ذاتي تجاوز ثلاثة ملايين ريال، وبطول 50 مترًا وعرض يتراوح بين خمسة وستة أمتار، باستخدام الأحجار والإسمنت، مع التأكيد على الالتزام بالمواصفات الفنية لضمان استدامة المشروع.
كما دشنت جمعية وصاب العالي مبادرة لشق وتوسعة طريق رجوف–الشراقي–القدمة بطول خمسة كيلومترات، ويستفيد منها أكثر من 25 ألف نسمة، فيما تتواصل في مديرية ميفعة عنس أعمال شق ورصف طريق عقبة «هجرة أسبيل»، الذي يخدم أكثر من ثمانية آلاف مواطن، وقد أُنجز نحو 500 متر من أصل 1300 متر، بدعم من وحدة التدخلات المركزية ومساهمة الأهالي في توفير الديزل والأعمال الإنشائية.
وفي مديرية شرس بمحافظة حجة، أعيد تأهيل الطريق العام الرابط بين مركز المديرية وعدد من المناطق، ليستفيد منه أكثر من 20 ألف نسمة، كما شهدت مديريات خيران المحرق وأسلم مبادرات متعددة للطرق، يجري تقييم مستوى إنجازها ميدانيًا، ورصد الصعوبات التي تواجهها، ووضع الحلول المناسبة لاستكمالها.

مواجهة السيول.. مبادرات تنقذ الطرق وتحمي السكان
أظهرت المبادرات المحلية قدرة المجتمع على الاستجابة السريعة للكوارث الطبيعية،  ففي مديرية المنار بمحافظة ذمار، تسببت السيول في إغلاق طرق رئيسية، من بينها نقيل الدحاوح واللكمة، وألحقت أضرارًا بالأراضي الزراعية والمحاصيل والمنازل، وسارع أبناء قرية حصن سباع إلى إصلاح الطريق الرئيسي، فيما عمل أهالي بيت الراس على إزالة مخلفات السيول وإعادة فتح الطرق أمام حركة المرور.
وفي وصاب العالي، بادر الأهالي وفرسان التنمية إلى إزالة الصخور والأحجار التي جرفتها الأمطار إلى نقيل الدن، وتمكنوا من إعادة فتح الطريق الأسفلتي الرئيسي، كما نفذت جمعية معين بأمانة العاصمة أعمالًا لردم الحفريات في أحياء عصر والسنينة، بينما تدخلت جمعية الدريهمي لردم مستنقع مائي في السوق العام بقرية اللاوية، بعد أن تحول إلى بؤرة للحشرات ومصدر خطر على المواطنين والأطفال.

الزراعة.. من دعم المدخلات إلى تنظيم الأسواق
لم تتوقف المبادرات عند الخدمات، بل امتدت إلى تعزيز الإنتاج الزراعي وتحسين دخل المزارعين، ففي جامعة المحويت، بدأ مشروع لتأهيل المدرجات الزراعية داخل الحرم الجامعي وإعادتها إلى دائرة الإنتاج، مع التركيز على زراعة البن وتوفير فرص التدريب العملي لطلاب الكلية.
وفي مديرية حفاش، وُزعت مجففات بن مصنعة محليًا على 30 مزارعًا، بهدف تحسين جودة المحصول وخفض تكاليف الإنتاج، كما وزعت جمعية ملحان شتلات البن على مزارعين استبدلوا أشجار القات بزراعة البن، في خطوة تستهدف دعم الدخل الريفي واستعادة مكانة المديرية في إنتاج هذا المحصول الاقتصادي.
وفي الخوخة، جرى توزيع بذور زراعية على المزارعين بنظام القروض البيضاء، بينما دشنت جمعية بني سعد المرحلة الثانية من توزيع بذور الأرز المحسنة المقاومة للجفاف والملوحة، مع تقديم إرشادات حول الزراعة الحديثة وترشيد استهلاك المياه، وفي يريم وزبيد، نُفذت نزولات إرشادية لمتابعة محصولي القمح والسمسم، ورصد الآفات وتقديم المعالجات الفنية اللازمة.

العمل التعاوني.. تنظيم الإنتاج وحماية حقوق المنتجين
اتجهت المبادرات كذلك إلى تنظيم المزارعين ضمن مجموعات إنتاجية، بما يعزز قدرتهم على التسويق الجماعي والاستفادة من سلاسل القيمة، ففي أفلح اليمن وشرس بمحافظة حجة، شُكلت مجموعات إنتاجية واختير لها ميسّرون ومعاونون، بهدف توحيد الجهود وتحسين العوائد.
وفي مديرية صرواح بمأرب، عاين فريق زراعي أكثر من عشر مزارع للبرتقال، وانتهى الاجتماع إلى فتح نقطة رسمية لاستقبال وتسويق المحصول عبر الجمعية التعاونية، بما يضمن أسعارًا عادلة ويحد من استغلال الوسطاء،  كما أُقرت آليات لتنظيم المنتجين وتقديم الدعم الفني والإرشادي ورفع تقارير دورية إلى الجهات المختصة.

ختاما
تؤكد هذه التجارب أن المبادرة المجتمعية لم تعد استجابة مؤقتة لنقص الخدمات، بل أصبحت مسارًا تنمويًا قائمًا على الشراكة والاعتماد على الذات، فحين يساهم الأهالي في بناء مدرسة، ورصف طريق، وحماية محصول، وتنظيم سوق، تتحول التنمية إلى مسؤولية جماعية لا تنتظر الحلول الجاهزة.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا باستمرار المتابعة، وتوفير المعدات والمواد، وتعزيز الدعم الفني والتمويلي، وتحويل المبادرات الفردية إلى برامج مستدامة؛ فالمجتمع الذي يشارك في بناء خدماته اليوم، هو الأقدر على حماية موارده وصناعة اقتصاده وتحقيق تنمية أكثر التصاقًا بحاجاته وأولوياته.

You might also like