الشهيد والسيادة في مواجهة الاستكبار.. اليمن عصيّ على الخضوع
في الذكرى السنوية للشهيد .. قائد الثورة يضع العالم أمام حقيقة العدوان على اليمن، ويفكك أدوار القوى الدولية والإقليمية، ويؤكد أن معركة الشعب اليمني هي معركة الحرية والكرامة ومواجهة مشاريع الهيمنة الصهيونية، في كلمة حملت رسائل سياسية وإيمانية واستراتيجية حاسمة، بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد، رسم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ملامح المعركة التي يخوضها اليمن، واضعاً إياها في سياق المواجهة مع مشاريع الاستكبار والهيمنة، ومؤكداً أن الشعب اليمني الذي قدّم قوافل الشهداء دفاعاً عن أرضه وكرامته لن يقبل أن يتحول إلى ساحة مستباحة أو تابع يُملى عليه قراره من واشنطن أو تل أبيب أو لندن، لم تكن الكلمة مجرد استحضار لتضحيات الشهداء، بل إعلاناً متجدداً للتمسك بأهداف تلك التضحيات، وتأكيداً أن الحرية والاستقلال والسيادة ليست شعارات للمناسبات، وإنما حقوق أصيلة لا تسقط بالتقادم، مهما اشتدت الضغوط وتعددت أدوات العدوان.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
معركة اليمن.. مواجهة مشروع الإخضاع والاستعباد
وضع السيد القائد جوهر الصراع في إطاره الأوسع، مؤكداً أن الأعداء لا يريدون لشعوب الأمة أن تتحرك بإرادة مستقلة، أو تمتلك روح التحرر من الطغيان والاستكبار، بل يسعون إلى إخضاعها والسيطرة على مقدراتها وتوجيه خياراتها بما يخدم مصالحهم، ومن هذه الزاوية، فإن استهداف اليمن لا ينفصل عن مشروع أوسع يستهدف المنطقة، ويعمل على إبقائها غارقة في الصراعات والأزمات، ومحرومة من توظيف ثرواتها في بناء قوتها وتحقيق نهضتها، وتتمثل خطورة هذا المشروع في أنه لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، ولذلك، فإن معركة الاستقلال لا تقتصر على مواجهة عسكرية، وإنما تمتد إلى حماية القرار الوطني، وصيانة الثروات، ورفض التبعية السياسية والاقتصادية، إن الرسالة الأبرز هنا أن اليمن لا يقبل أن يكون تابعاً، ولا يرى في الخضوع قدراً محتوماً، بل يتمسك بحقه في الحرية والكرامة والاستقلال.
عدوان بواجهة إقليمية وإدارة دولية
قدّم السيد القائد قراءة مباشرة للأدوار الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية والسعودية في العدوان على اليمن منذ 26 مارس 2015، معتبراً أن الولايات المتحدة تتولى الإشراف، وأن إسرائيل وبريطانيا تشاركان في دعم مساراته، فيما يؤدي النظام السعودي دور التنفيذ والتمويل والتبني السياسي، وتكشف هذه القراءة عن جوهر سياسي بالغ الأهمية، محاولة تقديم العدوان في صورة صراع إقليمي، بينما تضع الكلمة خلفه شبكة من المصالح والتحالفات الدولية التي ترى في إخضاع اليمن جزءاً من معادلة أوسع للهيمنة على المنطقة، وفي هذا السياق، يوجّه الخطاب انتقاداً حاداً لتسخير الثروات الهائلة للجزيرة العربية في تمويل الحرب، بدلاً من توظيفها في تنمية شعوب المنطقة وتحسين أوضاعها المعيشية، وتبرز المفارقة في أن الثروة التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية والنهضة تتحول، إلى أداة لاستنزاف بلد عربي مسلم وتدمير مقومات حياته، وهنا يتجاوز السؤال حدود المسؤولية عن الحرب إلى جوهر السياسات الإقليمية، لصالح من تُستنزف الثروات؟ ومن المستفيد من استمرار الصراع وتمزيق المنطقة؟
استهداف مقومات الحياة.. جريمة تتجاوز ميادين القتال
سلّطت الكلمة الضوء على استهداف أكثر من 14 ألف حقل زراعي بالقنابل الأمريكية، وفق الرقم الذي أورده السيد القائد، باعتباره نموذجاً لما وصفه بالاعتداء على مقومات الحياة في اليمن،
إن استهداف الزراعة لا يعني تدمير حقول فحسب، بل يطال الأمن الغذائي ومصادر دخل الأسر وقدرة المجتمع على الإنتاج والصمود، كما أن استهداف المنشآت المدنية والخدمية يضاعف الأعباء الإنسانية، ويترك آثاره على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال، ويرتبط ذلك بملف الثروات الوطنية، ولا سيما النفط والغاز وعائداتهما، التي أكد الخطاب حاجة اليمنيين إليها لتوفير الرواتب والخدمات الصحية والتعليمية ومتطلبات الحياة الأساسية، ومن هنا، يضع السيد القائد حماية الثروات الوطنية واستعادة الاستفادة منها في صميم معركة السيادة، باعتبار أن إخضاع الشعوب لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل قد يُمارس أيضاً عبر الحصار والحرمان الاقتصادي وإضعاف القدرة الإنتاجية، فالعدوان على اليمن، ليست عدوانا على الأرض وحدها، بل عدوان على أسباب الحياة ومقومات النهوض والاستقلال.
المقدسات الإسلامية.. سقوط ورقة التوظيف السياسي
في مواجهة الاتهامات التي يروّجها العدو السعودي بشأن استهداف المقدسات الإسلامية، شدد السيد القائد على أن مكة المكرمة والمدينة المنورة مقدسات لجميع المسلمين، وليستا ملكاً سياسياً لفئة أو نظام.
ويحمل هذا الموقف رسالة تتجاوز الرد على اتهام بعينه؛ إذ يرفض تحويل المقدسات إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو وسيلة لاستقطاب المسلمين ضد بعضهم بعضاً، كما يلفت إلى خطورة توظيف العناوين الدينية في الصراعات، وتقديم الاتهامات من دون تحقق، بما يفتح الباب أمام التحريض وتوسيع الانقسامات داخل الأمة، وفي هذا الإطار، تصبح حماية المقدسات مسؤولية إيمانية مشتركة، لا ورقة سياسية تُستخدم لتبرير مواقف أو تشويه خصوم، ويطرح الخطاب سؤالاً جوهرياً عن الجهات التي تتحدث باسم الدين، بينما تتراجع مواقفها تجاه المأساة الفلسطينية، حيث بلغت معاناة المدنيين في غزة مستويات كارثية،
فالمعيار الحقيقي للمواقف، وفق الرسالة التي تحملها الكلمة، ليس الشعارات المرفوعة، بل ما تقدمه من مواقف عملية تجاه الظلم والعدوان ومآسي الشعوب.
فلسطين تكشف ازدواجية المعايير
ربط السيد القائد بين العدوان على اليمن والموقف من القضية الفلسطينية، معتبراً أن مواجهة المشروع الصهيوني لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا أن تخضع لحسابات المصالح والتحالفات، ومن هنا، وجّه انتقادات حادة إلى الجهات التي تتبنى خطاباً دينياً أو سياسياً، لكنها، بحسب الكلمة، تخفق في الاضطلاع بمسؤوليتها تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وتكشف هذه المقارنة عن محاولة لوضع فلسطين معياراً أخلاقياً وسياسياً لقياس المواقف، والتأكيد أن الانقسامات الطائفية والصراعات البينية لا ينبغي أن تصرف الأمة عن قضاياها المركزية، كما حذر السيد القائد في الكلمة من توظيف العناوين التكفيرية والطائفية لتوجيه الصراعات نحو مسارات تخدم القوى الخارجية، بدلاً من مواجهة التحديات المشتركة،
إن أخطر ما يواجه الأمة ليس اختلاف المواقف وحده، بل تحويل الاختلاف إلى أداة للتمزيق، وتسخير الدين لتبرير الصمت عن المظالم أو المشاركة فيها.
باب المندب وسيادة اليمن.. معركة تتجاوز الحدود
حضر باب المندب والقرن الإفريقي في الكلمة بوصفهما جزءاً من الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بموقع اليمن وأمن المنطقة، ويعكس ذلك إدراكاً لأهمية الموقع الجغرافي اليمني، المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وما يرتبط به من مصالح تجارية وأمنية إقليمية ودولية، وفي هذا السياق، ربط الخطاب بين حق اليمن في السيادة على أراضيه ومجاله الحيوي، وبين رفض محاولات توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وتتمثل الدلالة الاستراتيجية في أن اليمن ليس هامشاً جغرافياً في معادلات المنطقة، بل بلد يمتلك موقعاً مؤثراً في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، ما يجعل استقلال قراره وسيادته قضية تتجاوز حدوده.
رسالة الحسم.. وقف العدوان أو تحمل تبعاته
اختتم السيد القائد موقفه بالتأكيد على حق اليمن في الدفاع عن نفسه، والدعوة إلى وقف العدوان والحصار وإنهاء الاستهداف، محذراً من أن الإصرار على التصعيد لن يؤدي إلا إلى تعميق الخسائر وتوسيع دائرة المواجهة، وتؤكد هذه الرسالة أن المدخل الحقيقي لأي تسوية لا يكمن في ممارسة المزيد من الضغوط على اليمن، بل في معالجة أسباب الصراع، ووقف العمليات العسكرية، وإنهاء القيود التي تطال حياة المدنيين، واحترام الحقوق السيادية للشعب اليمني، كما دعا السيد القائد أحرار الأمة والعالم إلى التضامن مع الشعب اليمني وقول كلمة الحق، في مواجهة الافتراءات والتضليل، وهنا تبرز مسؤولية الوعي العام في التحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء الحملات الدعائية، والتمييز بين الشعوب وسياسات الأنظمة، بما يمنع تحويل الخلافات السياسية إلى عداوات بين المجتمعات.
دماء الشهداء عهدٌ بالحرية لا يقبل الانكسار
تؤكد كلمة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله أن الذكرى السنوية للشهيد ليست مناسبة لاستحضار الماضي فحسب، بل محطة لتجديد الالتزام بقضايا الحرية والاستقلال والكرامة، وربط التضحية بمشروع يحمي السيادة ويصون مقدرات المجتمع،
ومن خلال الربط بين العدوان والحصار والثروات الوطنية والقضية الفلسطينية وأمن المنطقة، تضع الكلمة اليمن في قلب مواجهة أوسع على الإرادة والقرار والمستقبل، فالرهان، في جوهر الخطاب، ليس على إخضاع اليمن، بل على استنزاف إرادته؛ وليس على تدمير مقدراته فحسب، بل على دفعه إلى التخلي عن حقه في الاستقلال، غير أن المعنى الأعمق للوفاء للشهداء يظل في تحويل التضحيات إلى قوة بناء وصمود، وحماية المدنيين، وصيانة وحدة المجتمع، والعمل على استعادة الموارد والخدمات، وصولاً إلى سلام يحفظ لليمنيين أمنهم وكرامتهم وحقهم في تقرير مصيرهم.
إن شعباً قدّم شهداءه دفاعاً عن حريته لا يختزل قضيته في معركة عابرة؛ فالقضية هي السيادة، والهدف هو الكرامة، والوفاء للشهداء هو أن يبقى الاستقلال حقاً وطنياً لا يقبل المساومة.