أسبوع الشهيد مدرسة

يمانيون|بقلم: عباس عمير

في كل عام نتوقف لنستذكر أولئك الذين قدموا أغلى ما يملكون، أرواحهم، من أجل أن نحيا نحن بكرامة وأمان. الشهيد لم يمت، هو حي بفعله، حي في ضمير وطنه، حي عند ربه كما قال تعالى: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ”.

فمن هو الشهيد؟ هو الإنسان الذي رأى الحق يحتاج إلى تضحية فلم يتردد، ورأى الوطن يحتاج إلى حارس فكان هو الحارس، ورأى الظلم فلم يسكت. ترك بيته وأهله وأحلامه الصغيرة، ليحمي الحلم الكبير للجميع.

وهناك من يسأل: لماذا نخصص له أسبوعاً؟ الجواب ببساطة: حتى لا ننسى، لأن النسيان خيانة ثانية، وأسبوع الشهيد يعلمنا ثلاث قيم: العظمة في الإيثار، فالشهيد آثر غيره على نفسه، وأعطى ولم يأخذ، وأما الثانية فالعظمة في الشجاعة، وليس الشجاع من لا يخاف، بل من يخاف ويتقدم رغم خوفه دفاعاً عن مبدأه، والثالثة تتمثل في العظمة في البقاء، فأجسادهم رحلت، لكن أثرهم باقٍ في كل طريق آمن نمشيه، وفي كل مدرسة بقيت مفتوحة، وفي كل بيت بقي محفوظاً.

وتقاس عظمة الشهداء بحجم القيم التي زرعوها فينا، هم من علمونا أن الحرية ثمنٌ يدفع، وأن الكرامة تصان بالدم، وواجبنا اليوم السير على خطاهم في العمل الصالح، وأن نكون صادقين في أعمالنا كما كانوا صادقين في عهدهم، وأن نحب وطننا ونبنيه بالعلم والعمل، فهم حفظوه بدمائهم ونحن نحفظه بجهدنا، وأن نرعى أسرهم وأبناءهم، فأبناء الشهيد أمانة في أعناقنا جميعاً.

وفي أسبوع الشهيد، نقف إجلالاً، ونرفع رؤوسنا فخراً، ونقول: سلام على أرواح صعدت لتبقى أوطانها شامخة، ونقول للعدو السعودي الذي أصر بعناده، وكبره وعنجهيته الظالمة على الشعب اليمني، إن في هذا الشعب العظيم رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تركوا مدارسهم ومزارعهم ومتاجرهم، وحملوا سلاحهم البسيط ليقفوا في وجه ترسانة من المال والنفط والسلاح الأمريكي، فكانت الشهادة في سبيل الله خيارهم لنيل الحرية وحفظ الكرامة والذود عن الشرف والسيادة والقيم والمبادئ الإيمانية، فحطموا بذلك أوهام الهيمنة.

ونهج الشهيد واضح وصريح، ولنا في هذه الذكرى السنوية دروس يجب أن نتعلمها، ومنها: الصمود وعدم الخضوع، حيث علمنا الشهيد أن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى، وأن الحرية أغلى من الحياة نفسها، فمهما اشتد القصف وطال الحصار، لن نركع إلا لله، فالعدو أرادها حرب إذلال، والشهيد حولها إلى ملحمة عزة.

وثانيها: الوعي بأن المعركة معركة حق وباطل، والعدوان جاء ليجتث قرارنا واستقلالنا وهويتنا، وحين فهم الشهيد ذلك تحرك باكراً يقاتل دفاعاً عن الأرض والعرض والدين، وعن يمنٍ إرادةُ أبنائه أحرار.

وثالثها: العمل والبناء كجهاد آخر، عبر الاستمرار على نهج الشهيد في كل مكان، وعلى مختلف المستويات، فالطالب الذي يجتهد في دراسته استمرارٌ للنهج، والمعلم الذي يصبر على طلابه استمرارٌ للنهج، والمزارع الذي يزرع أرضه رغم الحصار استمرارٌ للنهج، والموظف الذي يخدم الناس بأمانة استمرارٌ للنهج. فالعدو أراد لنا أن نجوع ونجهل ونفشل، ووفاؤنا للشهيد أن نبني ونعلم ونزرع.

وبعد 12 عاماً من العدوان نؤكد أن دماء الشهداء هي التي أفشلت كل أهداف الغزاة ومخططاتهم، وصار اليمن قوة لا يستهان بها، وهذا ما كان ليكون لولا تلك التضحيات.

وفي هذه المحطة يؤكد شعبنا أنه على العهد باقٍ، ولن يفرط في دماء شهدائه، ولن يساوم على ما استشهدوا من أجله، وسيبقى يقاوم هذا العدوان الغاشم بكل ما أوتي من قوة، حتى يرفع العدو عدوانه وحصاره ويرحل عن أرضنا وسيادتنا.

فسلام الله على الشهداء، وسلامه على الجرحى، وعلى القبضات والبنادق المستمرة على نهجهم.

You might also like