الشهادة.. خدمة إنسانية سامية ومنحة إلهية عظيمة
يمانيون| بقلم: بتول الحوثي
الخدمات التي يمكن أن يقدمها الإنسان لنظيره في الخلق أو أخيه في الدين، كثيرة ومحمودة ومعمول بها، ولكن ماهي الميزة التي تسمو بالشهادة في هذا الميدان، وكيف يمكن للموت أن يكون منحة ربانية وربحًا مضمونًا؟
عندما يُكتب على البشر حتمية الصراع بين الخير والشر، يتمايز الناس إلى حزبين لا ثالث لهما، كل منهما يحاول تقديم أقوى ما لديه ليحظى بالهيمنة، بينما يتنافس أهل الخير في تقديم الخير ودفع الشر بصور متعددة؛ فمنهم من يراعي احتياجات الآخرين النفسية والمعنوية وعدته الكلمة الطيبة ومشاركة الشعور، وقد تُقدَم المواقف المشرفة والمواجهة بالقلم والمنطق والأسلوب، ويأتي تقديم المال في مقدمة الخدمات الخيرية والمجالات النافعة، وإعداد القوة العلمية والعسكرية.
في هذا الإطار تبرز مسألة تقديم النفس في أسمى صور الدفاع عن الناس وأعلى درجات الإحسان، حيث يمتلك صاحب هذه التضحية روحية عالية في الاهتمام بالآخرين، وقيمًا عظمى تدفعه لإيثار الغير والذود بنفسه عن أنفسهم، ويبلغ به العطاء إلى مستوى أن يُقرض عمره لعيش به الأخرون دون انتظار للقضاء، كما يحمل نفسية متحررة من الخوف، ترى الموت سعادة والقتل عادة وكرامتها الشهادة، وتوقن أن الحياة مع الظالمين برمًا، والخضوع لهيمنتهم إثمًا، ومن كان هذا منطلقه؛ فالحشود لا تُرهبه، ومغنطة الأرض لا تجذبه، والسماء أولى به.
وفي المقابل يحتل الصراع القضية الأبرز في دين الله، ويضع لها -سبحانه وتعالى- الكثير من الاعتبارات، ويحدد لها الموجهات والتوجيهات، ويبني دينه على أساس من تحقيق الغلبة للخير، ويدعو عباده إلى الدفاع عن المظلومين ونصرة المستضعفين، وهذا هو الطريق الأوحد للصلاح والفلاح في هذه الدنيا، وبينما يقدم الشر شهود زور في سبيل تنفيق باطلهم، يصطفي الله شهداء حق على عظمة وكمال هذا الدين، ودناءة وخبث من يحاربه، لم يستأجرهم ليثبتوا وجوده، ولم يستقطبهم ليدافعوا عنه، بل هم من باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاته، وتاجروا معه في سبيله، وعاهدوه صادقين بالاستبسال والتضحية والفداء.
وانطلاقًا مما سبق تأتي المكافأة الربانية للمؤمنين بالشكل الذي يدفع للالتحاق بهذه المرابحة ونيل الوسام العجيب، الذي يستبدل فيه الله المدة القصيرة الفانية بالمدة المديدة الباقية، ويقابل العهد بالجهاد من أجل عزتهم وصلاح دنياهم بالوعد بالجنة التي عرضها السموات والأرض، ويتكفل بجميع وسائل الرفاهية والترفيه لهم، ويتعهد بمنع أسباب الخوف والحزن عنهم، ويتفضل عليهم بدوام الفرح والاستبشار، كما يطمئن من بقي في قائمة الانتظار بالظفر والفوز، ويعطي الصلاحيات لأقارب وذوي الشهداء في الدخول تحت الرعاية الإلهية، ويجازيهم بالأجر والسلوان بعد الفقد والحرمان.
إن شهادةً تتكسر أمامها أعتى أسلحة الشر، وتعجز في تشوييها أمهر أساليب الباطل، ويفشل بسببها أكبر طغاة العالم، وتثمر نصرًا وعزةً وكرامةً للمسلمين، وفتحًا وتمكينًا للدين، ويحظى صاحبها بالفوز العظيم بجنات النعيم، ومساكن طيبة ورزق كريم؛ لهي منحة إلهية تمثل الكرم الرباني اللامتناهي، وتجسد الكمال المطلق في أبهى صوره.