القبيلة اليمنية في مرمى الاستهداف الخارجي.. ميثاق جنيف ومحاولة إعادة هندسة معادلة النفوذ في اليمن

من بوابة «حماية المدنيين» و«بناء السلام».. تحركات دولية يقودها العدو السعودي تفتح معركة جديدة على المرجعيات القبلية اليمنية، وتثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل استقلال قرارها ودورها الوطني، لم تعد المعركة على اليمن محصورة في ميادين المواجهة العسكرية والسياسية، بل امتدت إلى عمق المجتمع وبنيته التاريخية، حيث أصبحت القبيلة اليمنية، بما تمتلكه من ثقل اجتماعي وتأثير سياسي وحضور في معادلات الصراع، محوراً لتحركات دولية تستهدف تنظيم أدوارها وإعادة صياغة مرجعياتها تحت عناوين براقة، في مقدمتها حماية المدنيين وتعزيز الأمن والاستقرار، وفي هذا السياق، احتضنت العاصمة السويسرية جنيف، الخميس 29 أكتوبر 2026، فعالية إطلاق ما سمي «ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين»، بتنظيم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF)، وبمشاركة نحو مائة شخصية وقيادة قبلية يمنية أرسلهم العدو السعودي، وبدعم سويسري وهولندي. وأعلنت الجهات المنظمة أن الميثاق جاء بعد مشاورات استمرت عامين، وأن نحو خمسة آلاف شخصية قبلية أبدت تأييدها له، غير أن دلالات هذه الخطوة تتجاوز مضمونها المعلن، لتطرح تساؤلات جوهرية بشأن الجهات التي تتولى صياغة المرجعيات القبلية، وطبيعة الأدوار التي يراد للقبيلة اليمنية أن تؤديها في المرحلة المقبلة، ومدى استقلالية القرار الذي يحكم هذه التحركات.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

معركة المرجعيات.. لماذا القبيلة اليمنية؟

يدرك العدو السعودي ومن معه من القوى الإقليمية والدولية أن القبيلة اليمنية ليست مجرد مكون اجتماعي تقليدي، بل قوة مجتمعية مؤثرة تمتلك امتدادات جغرافية واسعة، وأعرافاً راسخة، وقدرة على التأثير في المواقف والتحولات السياسية والأمنية، وقد أثبتت سنوات العدوان أن القبيلة تظل أحد أبرز مكونات المعادلة اليمنية، سواء في الوساطات الاجتماعية أو الحضور السياسي أو الإسناد الشعبي لجبهات مواجهة العدو ، ومن هنا تبرز أهمية التحركات التي تستهدف إنشاء أطر ومواثيق جديدة لاختراق النظام القبلي في اليمن،  فالمسألة لا تتعلق بمجرد وثيقة ، وإنما بمستقبل العلاقة بين القبيلة والمجتمع والدولة، وبالمرجعيات التي ستحدد طبيعة أدوارها وحدود تأثيرها.

DCAF.. من بوابة الأمن إلى عمق البنية القبلية

يمثل انخراط مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن في هذا الملف تطوراً يستحق التوقف أمامه،  فالمركز، الذي يعمل في مجال الحوكمة الأمنية وإصلاح قطاع الأمن، بدأ برنامجه المتعلق باليمن عام 2018، ويستهدف إشراك القيادات القبلية والسياسية والمجتمعية في الحوارات المتعلقة بالأمن والاستقرار، وهنا تكمن الإشكالية، عندما تنتقل المؤسسات الدولية من دعم الحوار إلى المشاركة في صياغة مواثيق تنظم أدوار المكونات الاجتماعية، فإن الأمر يستدعي مساءلة دقيقة حول طبيعة التمويل وهدفه ، كما تتوفر أدلة تثبت وجود إشراف استخباراتي دولي كبير ومباشر على الملتقى الذي اعتقد العدو السعودي أنه قد يستخدمه كورقة لتحقيق انتصار لم يستطع تحقيقه في ميدان المواجهة مع اليمن طيلة 12 عام.

ميثاق الشرف المزعوم .. حماية المجتمع أم إعادة تعريف دور القبيلة؟

ما تضمنه الميثاق ليس وحده ما يمثل الخطورة، لكن الخطورة تكمن في أجندة العدو التي تحدد تفسيرها وآليات تطبيقها، وفي توظيفها لتقييد الدور الاجتماعي والسياسي للقبيلة أو حصره في أدوار مرسومة خارج إرادة أبنائها، فالقبيلة اليمنية تمتلك منظومتها التاريخية من الأعراف والأسلاف، ولا تحتاج إلى وصاية خارجية لتحديد هويتها أو إعادة تعريف مسؤولياتها، وما تحتاج إليه هو احترام استقلاليتها، وتطوير مؤسساتها من داخل المجتمع، وتعزيز دورها في حماية الهوية والقيم ومواجهة العدو ومخططاته .

العدو السعودي.. صراع النفوذ على بوابة القبيلة
لا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الإقليمي، وفي مقدمته دور العدو السعودي في اليمن، بحكم الجغرافيا وتاريخ التدخلات وتشابك المصالح الأمنية والسياسية، فالقبيلة اليمنية تمثل مكوناً مؤثراً في معادلة الأمن الإقليمي، وأي تغيير في مرجعياتها أو طبيعة علاقاتها بالقوى السياسية والأمنية يمكن أن ينعكس على توازنات النفوذ في البلاد، ومن هنا تبرز ضرورة التدقيق في المواقف السياسية المصاحبة للميثاق، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، وعدم اعتبار مشاركة مجموعة من الشخصيات القبلية تفويضاً شاملاً للتحدث باسم جميع القبائل اليمنية، كما أن إعلان مشاركة نحو مائة شخصية، وتأييد خمسة آلاف شخصية وفق بيانات المنظمين، لا يحسم مسألة التمثيل لليمن، لأنها مسألة من أكثر المسائل خصوصية؛ فالشرعية القبلية لا تُمنح في قاعات المؤتمرات الدولية، وإنما تستمد من مسقط الرأس ومهبط القبيلة وبنيانها الشامخ من أرضها وترابها.

الحرب الناعمة.. استهداف المجتمع من بوابة المواثيق

إن أخطر ما يمكن أن تفضي إليه مثل هذه المبادرات هو إنشاء مرجعيات موازية، أو توجيه الأولويات القبلية، أو تحويل الأعراف إلى أدوات انتقائية في الصراع السياسي، أو ربط المؤسسات المحلية بأجندات التمويل الخارجي من قبل العدو، فالسلام لا يتحقق بإعادة تشكيل المجتمعات من الخارج، ولا بحصر دور القبيلة في حدود ترسمها المؤسسات الدولية أو العدو المحتل، بل بمعالجة جذور الصراع واحترام إرادة اليمنيين وحقوقهم.

القبيلة اليمنية لها أصل وجذور وتاريخ عريق

إن ميثاق جنيف يفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بمكانة القبيلة اليمنية وموقعها في فرض معادلات تمثل اليمن وحده فقط،  وليست ساحة مفتوحة للعدو لإعادة هندسة النفوذ، ولا كياناً منزوع الإرادة يمكن تحديد أدواره من خلف الحدود، إنها جزء أصيل من هوية اليمن وتاريخه ومجتمعه، ومرجعيتها الحقيقية يجب أن تنبع من أبنائها وأعرافها ومصالحها، ومن يحترم القبيلة اليمنية، يحترم حقها في أن تقرر بنفسها، لا أن يقرر الآخرون نيابة عنها.

You might also like