العَيبُ الأحْمَر ومفاهيمه.. عُرف القبيلة الخفي الذي يحمي الضعيف ويضرب بيد من حديد

بـ 29 “علقة” أو حالة محددة، يضع العرف القبلي اليمني خطوطاً حمراء حول كرامة الإنسان وحياته وماله, ويقدم سياجاً منيعاً لحماية فئات ومواقف معينة، يفرض على من يتجاوزها عقوبة قاسية تُعرف بـ “المحدش”،  ضمن إطار “العيب الأحمر” وهي عقوبة مضاعفة تصل إلى أحد عشر ضعفاً, فما هو هذا القانون الخفي؟ ومن هي الفئات التي منحها حصانة مطلقة؟ وكيف تُحسب عقوباته التي قد تصل إلى عشرات الملايين؟ نستعرضه في هذا الجزء الـ21  ضمن سلسلة حلقاتنا الأسبوعية من قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن وعلى النحو التالي:

 

يمانيون| محسن علي

في عالم الأعراف القبلية اليمنية، يعتبر “العيب الأحمر” أحد أشد المفاهيم القانونية والاجتماعية قوةً وصرامة, إنه يمثل مجموعة من الجرائم والاعتداءات الجسيمة التي تمس ثلاثية مقدسة: العرض، والدم، والمال. عقوبة هذه الجرائم لا تقاس بالأحكام العادية، بل بـ “المحدش”، وهو حكم عرفي قاسٍ يضاعف العقوبة الأساسية لتصل إلى أحد عشر ضعفاً، مما يجعله رادعاً قوياً في المجتمع القبلي.

مفاهيم “المحدش” وكيف يعمل؟

“المحدش” هو: آلية العقاب القصوى للعيب الأحمر, يتم احتسابه بضرب الحكم الأصلي في الرقم 11’ ويتكون هذا الرقم من الحد الأصلي مضافاً إليه عشرة “غوالي” (مضاعفات)، مما يعكس جسامة الجرم المرتكب في نظر القبيلة.

 

29 خطاً أحمر.. من هم المحصنون في العرف القبلي؟

يتفرع “العيب الأحمر” إلى 29 حالة أو “علقة”، تمنح كل منها حصانة شبه مطلقة لأفراد أو أماكن أو مواقف معينة. أي اعتداء على هذه الحالات يُعتبر عيباً أحمر يستوجب “المحدش”, ومن أبرز هذه الحالات:

 حصانة القيادات والرموز:
المراغة (خبير الأعراف): الاعتداء عليه أو منه يعتبر عيباً أحمر.
الشيخ (زعيم القبيلة): يتمتع بحصانة متبادلة؛ له وعليه.
الهجرة الصافي (رجل الدين الأعزل): محصّن طالما أنه لا يحمل سلاحاً.
ما يطلق عليه بـ الدوشان (الإعلامي القبلي): الذي يعلن قرارات القبيلة بصوته العالي.

 

حصانة الفئات الضعيفة والمستضعفة:
المرأة والطفل (الجفرة): الاعتداء عليهما من أكبر العيوب، وعقوبته “المحدش” مباشرة.
الربيع (طالب النصرة): الذي يلجأ إلى قبيلة طالباً الحماية من ظلم.
الجار (عامل الخدمة في المناسبات): له حصانة كاملة.
المستسلم: من يلقي سلاحه في مواجهة، والاعتداء عليه خرق كبير للعرف.

 

حصانة المواقف والأماكن:
علقة الصلح: خرق هدنة أو صلح مبرم بين طرفين متقاتلين.
حرمة الأماكن: الاعتداء داخل المسجد، أو في الطريق العام، أو في مسراخ القبيلة (مكان الاجتماع العام).
حرمة الضيافة والطعام: الاعتداء على الضيف من مضيفه أو العكس، أو الاعتداء على الخصم بعد أكل طعامه صدفة (فجأة المتعة)، والتي تمنح أماناً لمدة أسبوع كامل.

 

 حصانة الأجانب وأصحاب المهن:
النظامي (عسكري الدولة) والأجنبي (الذي دخل البلاد رسمياً): يتمتعان بحصانة قبلية.
فقيه اللوح (المعلم) ومقتصد الحرفة (البائع المتجول): الاعتداء عليهما عيب أحمر

 

قضية توضيحية.. عندما يجتمع القتل وخرق الصلح

لتوضيح فداحة العقوبة، لنأخذ مثالاً واقعياً: شخص قتل غريمه ثأراً أثناء فترة صلح موقعة بينهما، وأتلف في نفس الوقت 20 رأساً من غنمه.

الجريمة: قتل (اعتداء على الدم) + إتلاف مال (اعتداء على المال) + خرق الصلح (عيب أحمر).
العقوبة:
في الدم: بدلاً من الدية الشرعية (5.5 مليون ريال)، يُحكم بـ “المحدش”، أي 5.5 مليون × 10 غوالي = 55 مليون ريال.

في المال: بدلاً من قيمة الغنم (800 ألف ريال)، يُحكم بـ “المحدش”، أي 800 ألف × 10 غوالي = 8 ملايين ريال، يضاف إليها الثمن الأصلي ليصبح المجموع 8.8 مليون ريال.
في العرض (رد الاعتبار): يُحكم بـ “المحدش” أيضاً، وهو هنا تسريح 10 ثيران كغرامة رمزية لهتك حرمة الصلح.

بهذا، يتحول حكم كان يمكن أن يقتصر على الدية الشرعية إلى عقوبة مالية ورمزية باهظة، تهدف إلى الحفاظ على استقرار المجتمع وهيبة أعرافه, ورغم قسوتها، تظل هذه القوانين العرفية جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي اليمني، حيث تعمل كضابط إيقاع يضمن الأمن في غياب أو ضعف سلطة الدولة أحياناً.

 

المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن- للشيخ صالح روضان.

You might also like