الضلال يأكل أموالك .. نتيجة مأساوية وخسارة في الدنيا والآخرة
في خضم التحولات الفكرية والاجتماعية التي تعصف بالأمة، تبرز رؤية عميقة تحذر من أن الانحراف العقائدي ليس مجرد قضية نظرية محصورة في بطون الكتب أو نقاشات النخب، بل هو خطر داهم يمتد ليطال حياة الناس اليومية، ويصل في نهايته إلى جيوبهم وأموالهم التي كدّوا في تحصيلها، هذه هي خلاصة الرؤية العظيمة التي قدمها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، والتي شدد فيها على أن الضلال في الأخير يصل إلى أموال الناس، يقدم هذا التقرير تحليلاً لهذه الرؤية، مستكشفاً أبعادها ودلالاتها، وكيف تتحول الرمزية الدينية والعناوين البراقة إلى أدوات للاستغلال المادي، وكيف يصبح الأتباع هم الضحية النهائية لهذا الانحراف المزدوج الفكري والمادي.
يمانيون / أعدها للنشر / طارق الحمامي
من ضلال الفكر إلى أكل السحت
(لا يكن عندك أن الضلال يجلس هناك في الهواء، الضلال في الأخير يصل إلى أموالك يأكلها)، بهذه العبارة المباشرة، فكك الشهيد القائد الوهم القائل بأن القضايا الفكرية والعقائدية منفصلة عن الواقع المادي، فالرؤية التي قدمها توضح أن أي انحراف عن المنهج الإلهي الحق، الذي يضمن النماء والبركة، لا بد أن يؤسس لمنهج بديل قائم على الاستغلال، يحدث هذا عبر آلية متسلسلة من خلال صناعة القداسة الزائفة وتقديم شخصيات تحت عناوين دينية مهيبة مثل علماء، أحبار، رهبان، يُحاط هؤلاء بهالة من القداسة تجعل من الصعب على العامة مساءلتهم أو التشكيك في نواياهم.
تأصيل قواعد تخدم المصالح
كما أشار الشهيد القائد أن هناك قواعد أخرى ينطلقون على أساسها، ويتم وضع تفسيرات وتأويلات للنصوص الدينية تخدم مصالح هذه النخبة ومقاماتها، الآيات التي تدعو إلى الزهد تُفسر على العامة، بينما تُستحدث فتاوى تبرر الثراء الفاحش للمتنفذين، وبناءً على هذه القواعد ، يتم ابتكار طرق لجمع الأموال من الأتباع تحت مسميات دينية مختلفة، لكنها في جوهرها تذهب لخدمة نفوذ ومصالح تلك الفئة ولضمان استمرارية هذا النظام، يتم استخدام ورقة ’’سيُغفر لنا’’، يُقنع الأتباع بأن تبرعاتهم وأموالهم، حتى لو ذهبت في غير محلها، هي طاعة وعمل صالح، وأن أي تقصير من القادة سيُغفر لهم، مما يخلق حالة من التسليم الأعمى ويشل أي محاولة للمحاسبة.
شواهد من الواقع .. حين يصبح الدين تجارة
إن ما طرحه الشهيد القائد ليس مجرد تنظير، بل هو وصف دقيق لواقع ملموس يمكن رؤيته في نماذج تاريخية ومعاصرة ، مثل أحبار ورهبان بني إسرئيل كشاهد تاريخي ، حيث أشار القرآن الكريم بوضوح إلى هذه الظاهرة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، لم يكن صدهم عن سبيل الله مجرد فعل عقائدي، بل كان مرتبطاً بشكل مباشر بالحفاظ على مصالحهم المادية ومكانتهم التي تدر عليهم الأموال.
شاهد معاصر (فتاوى البلاط والتطبيع)
في عصرنا الحالي، نرى نماذج صارخة لعلماء ومؤسسات دينية تسخر مكانتها لتبرير سياسات تضر بمصالح الأمة، فتاوى ولاة الأمر ووعاظ السلاطين، التي تشرعن نهب الثروات، أو تبرر التحالف مع أعداء الأمة والتطبيع معهم ، هي في جوهرها ضلال يصل إلى أموال الناس ومقدراتهم، عندما يتم تبرير بيع موارد الأمة أو عقد صفقات مذلة مع كيانات معادية، فإن الضحية المباشرة هو المواطن العادي الذي تُسرق ثرواته وتُقمع حرياته تحت غطاء ديني.
شاهد اقتصادي (تجارة الأوهام)
تنتشر جماعات وأفراد يبيعون الوهم للناس عبر الترويج لبركات مزعومة أو علاجات روحانية بأسعار باهظة، مستغلين حاجة الناس ويأسهم، هذا النموذج هو تطبيق حرفي لرؤية الشهيد القائد، حيث يتحول الضلال إلى سلعة، والعنوان الديني إلى علامة تجارية لجني الأرباح.
الأتباع بين حسرة الدنيا وعذاب الآخرة
ثم ترى في الأخير الضحية بشكل مخزي وهم الأتباع، هذه هي النتيجة المأساوية التي حذر منها، الأتباع الذين وثقوا وسلّموا عقولهم وأموالهم، يجدون أنفسهم وقد خسروا كل شيء في الدنيا، تُنهب أموالهم، وتُستغل طاقاتهم، ويُحرمون من الحق والعدل الذي جاء به الدين الأصيل، يعيشون في كدّ وشقاء بينما تتمتع النخبة الضالة بثمار جهدهم، وفي الآخرة تكون الحسرة أعظم، وهو ما يصوره القرآن الكريم بمشهد تبرؤ المتبوعين من أتباعهم: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}، إنها حسرة من أدرك الحقيقة بعد فوات الأوان، بعد أن رفض أن يفهم وهو في دار العمل أن تمسكه الأعمى بأهل الضلال كان يضره هو في المقام الأول.
ختاماً
الوعي هو خط الدفاع الأول لإن رؤية الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي تدق ناقوس الخطر، وتدعونا إلى اليقظة والوعي، هي دعوة لعدم الانخداع بالعناوين البراقة، ولربط الأقوال بالأفعال، ولتحكيم المنهج الإلهي الحق الذي جاء ليحفظ على الناس دينهم وحياتهم وأموالهم، فالدين الذي يفتح بركات السماء والأرض لا يمكن أن يكون هو نفسه الذي يشرعن أكل أموال الناس بالباطل، والمسؤولية تقع على عاتق كل فرد في أن يدرس ما فيه وألا يقبل بمن يقولون على الله غير الحق، ففي هذا الوعي نجاة من حسرة الدنيا وعذاب الآخرة.