الغدير في فكر الشهيد القائد .. قراءة تحليلية في أبعاد “أمر الولاية” ودلالات الهوية والقيادة في الأمة

يمثل حديث الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في ملزمة “أمر الولاية” رؤية فكرية وعقدية وسياسية متكاملة، تتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى مشروع وعي شامل يعيد تعريف العلاقة بين الأمة والإسلام والقيادة والهوية، وفي هذه الرؤية العميقه، تتجلى ملامح مشروعه القرآني في قراءة التاريخ، وتشخيص واقع الأمة، وربط أزماتها بجذور الانحراف عن خط الولاية الذي أعلنه الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وعلى آله في يوم الغدير، فالرؤية التي يقدمها الشهيد القائد لا تتعامل مع “عيد الغدير” بوصفه طقساً احتفالياً أو مناسبة تراثية، بل باعتباره محطة مفصلية في تاريخ الرسالة الإسلامية، وحدثاً يرتبط بمصير الأمة ومستقبلها وهويتها السياسية والإيمانية والحضارية، وباعتباره يوم الولاية .

 

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

الأعياد في ميزان الإسلام .. بين “الفرح لله” وطقوس الفراغ

يفتتح الشهيد القائد حديثه بمقارنة لافتة بين الأعياد الإسلامية الحقيقية وبين الأعياد الوطنية والقومية التي تعيشها الشعوب العربية والإسلامية، فيضع معياراً قرآنياً لمعنى “العيد”، باعتباره فرحاً بنعمة الله وتجلياً للصلة بالله وذكراً لفضله، مستشهداً بقوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}، ومن خلال هذه المقارنة، يكشف الشهيد القائد عن أزمة الوعي في الأمة، حين تتحول المناسبات إلى مجرد مظاهر شكلية واستعراضات عسكرية وإعلامية لا تنعكس على واقع الأمة قوةً أو كرامةً أو استقلالاً، فالأمة تحتفل كثيراً لكنها تزداد هزيمةً وضعفاً وتراجعاً، وهنا تتجلى إحدى أهم الدلالات الفكرية في النص، وهي أن القيمة الحقيقية لأي مناسبة لا تقاس بحجم الاحتفال بها، بل بمدى قدرتها على صناعة الوعي وبعث الروح الإيمانية وتحريك الأمة نحو العزة والاستقلال.

الغدير .. إعلان إلهي لاستمرار الرسالة

يركز الشهيد القائد على أن حادثة الغدير ليست مجرد فضيلة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، بل إعلان إلهي يتعلق بمستقبل الأمة بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، ولذلك جاء التبليغ بشأنها بلهجة قرآنية حاسمة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}، ويستنتج الشهيد القائد من هذه الآية أن موضوع الولاية ليس قضية هامشية أو فرعية، بل قضية ترتبط بكمال الرسالة واستمرار الهداية وحماية الأمة من الضياع والانحراف، وفي هذا السياق، يعيد قراءة يوم الغدير باعتباره، نصراً لله؛ لأنه تثبيت لمنهج الهداية، نصراً للرسول؛ لأنه امتداد لبلاغه، ونصراً للإمام علي؛ لأنه تثبيت لموقعه القيادي والإيماني، ونصراً للأمة؛ لأنه ضمانة لحفظها من التيه السياسي والعقدي.

نقد الخطاب المضلل

من أبرز الأبعاد التي يتناولها النص نقد الشهيد القائد للتيارات الإسلامية التي ترفع شعار “السنة” لكنها تتجاهل الأحاديث المتواترة المتعلقة بالإمام علي والغدير، ويطرح هنا سؤالاً مركزياً، إذا كانت حادثة الغدير متفقاً على وقوعها في مصادر المسلمين، فلماذا يتم تغييبها عن الخطاب الديني والإعلامي والتعليمي؟
هذا الطرح يكشف عن منهج الشهيد القائد في نقد “الانتقائية الدينية”، أي التعامل مع النصوص وفق اعتبارات مذهبية أو سياسية، لا وفق معيار الحق والقرآن، كما يعكس النص رؤية تعتبر أن الانحراف التاريخي في الأمة لم يكن مجرد خطأ سياسي عابر، بل نتيجة تعطيل متعمد لبعض النصوص والمفاهيم المؤسسة للقيادة الشرعية في الإسلام.

الولاية بوصفها انسجاماً مع القرآن

من أهم الأفكار المحورية في النص أن “الولاية” ليست ارتباطاً عاطفياً أو مذهبياً فحسب، بل حالة انسجام كامل مع القرآن والرسول، فالشهيد القائد يؤكد أن من يتولى الإمام علي لا يشعر بحرج أمام القرآن أو السنة؛ لأن علياً يمثل الامتداد الحقيقي للقرآن، مستشهداً بالحديث، “علي مع القرآن والقرآن مع علي”، ومن هنا تصبح الولاية مفتاحاً للهداية، وضمانة للانسجام مع النص الإلهي، وحالة تحرر من التناقضات العقدية والسياسية، بينما يرى أن أي عقيدة تصطدم مع القرآن أو مع صريح حديث الرسول صلوات الله عليه وعلى آله هي عقيدة مأزومة ومفتقدة لليقين.

البعد السياسي في “أمر الولاية”

لا يقف النص عند البعد العقدي، بل يتجاوزه إلى رؤية سياسية متكاملة، إذ يعتبر الشهيد القائد أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يترك الأمة دون نظام قيادة وهداية، ويؤكد أن الإسلام دين شامل ينظم كل شؤون الحياة، وبالتالي فمن غير المنطقي أن ينظم الإسلام تفاصيل المواريث والأسرة ثم يترك قضية قيادة الأمة دون توجيه،  ومن هذه النقطة ينطلق الشهيد القائد إلى نقد الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، معتبراً أن واقع التبعية والهزيمة والخضوع للأعداء هو نتيجة مباشرة للابتعاد عن منهج الولاية الإلهية، وتبرز هنا دلالة مهمة في فكره، وهي الربط بين أزمة القيادة، والانحراف عن الولاية، وحالة الضعف الحضاري والسياسي للأمة، فالمشكلة ليست مجرد اختلال إداري أو عسكري، بل أزمة مشروع وقيادة وهوية.

الغدير كحالة تعبئة ووعي

يتعامل الشهيد القائد مع إحياء الغدير “يوم الولاية” بوصفه عملية تعبئة إيمانية وثقافية متجددة، تهدف إلى ترسيخ الولاء لله ورسوله، وإحياء الوعي القرآني، وتعزيز الهوية الإيمانية، ومواجهة مشاريع التضليل والانحراف، وصناعة موقف عملي في مواجهة الظلم والطغيان، ولذلك يربط بين إحياء الغدير وبين مفهوم “نصرة الله”، في ضوء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}، فالغدير ليس حدثاً تاريخياً ساكناً، بل مشروعاً مستمراً لإنتاج الأمة الواعية الحرة المرتبطة بالله.

دلالات الخطاب في الواقع المعاصر

تكشف هذه الرؤية عن عدد من الدلالات العميقة في مشروع الشهيد القائد الفكري، أبرزها إعادة بناء الهوية الإسلامية ، إذ يسعى النص إلى إعادة تعريف الانتماء الإسلامي على أساس الولاية والارتباط بالقرآن والرسول، لا على أساس العناوين الشكلية أو الموروثات السياسية، وكذلك تحرير الأمة من التبعية، فالشهيد القائد يربط بين غياب القيادة الإيمانية وبين خضوع الأمة للقوى المعادية، معتبراً أن الأمة التي تفقد مشروعها الإلهي تتحول إلى أمة مهزومة ومستباحة، وكذا مواجهة حالة التزييف الديني
إذ ينتقد توظيف الدين لخدمة مفاهيم أو شخصيات أو أنظمة تتناقض مع النص القرآني والنبوي، وكذلك تحويل المناسبات إلى منصات وعي، فالأعياد والمناسبات الدينية ليست مجرد طقوس احتفالية، بل محطات تربوية وثقافية وسياسية لإحياء القيم والمبادئ.

ختاما ..

إن حديث الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في “أمر الولاية” يقدم رؤية تعتبر أن أزمة الأمة الإسلامية بدأت يوم انفصلت القيادة عن الامتداد الإلهي الذي أعلنه الرسول في الغدير، وأن استعادة الأمة لعزتها وكرامتها تمر عبر العودة إلى القرآن والولاية والقيادة الربانية، وفي هذه الرؤية يتحول الغدير من ذكرى تاريخية إلى مشروع حضاري متكامل، يعيد صياغة علاقة الأمة بالله والرسالة والقيادة، ويجعل من الولاية عنواناً للهوية والاستقلال والوعي والموقف.

You might also like