من “الاتفاق النووي” إلى “الورقة العشرية”.. إيران تقود التفاوض من موقع المنتصر
يمانيون |
في اللحظة التي حشدت فيها الولايات المتحدة أساطيلها، وظنّ العالم أن لغة المدافع ستمحو لغة الدبلوماسية، برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية كرقيم صعب لا يقبل القسمة على التهديد.
اليوم، وبينما تحتضن العاصمة الباكستانية إسلام آباد جولات المفاوضات الثلاثية، لم تعد الطاولة هي تلك التي كانت تفرض فيها واشنطن إملاءاتها خلف غلاف “القوة العظمى”.
اليوم، تجلس الولايات المتحدة بوفدٍ يقوده نائب الرئيس “جين ديفانس” – الرجل الذي عارض الحرب لعلمه بعواقبها – وهي لا تملك في جعبتها ورقة واحدة من أوراق الضغط التي استهلكتها طوال سنوات الحصار والعقوبات.
في المقابل، يتقدم الوفد الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف، وبيديه ورقتان صلبتا المراس: “الصمود” الذي أثبتته الميادين، و”الانتصار” الذي تجلى في انكسار الموجة العدوانية.
هذا التقرير يحلل التحول الدراماتيكي في موازين القوى، حيث تحولت إيران من طرف يدافع عن حقه في الاتفاق النووي عام 2015، إلى طرف يملي شروط “الورقة العشرية” في 2026، واضعاً “أمريكا أولاً” تحت أقدام “إيران أولاً” في الجغرافيا والسياسة والميدان.
خديعة “تطهير الألغام” وانكسار الهيبة الاستعراضية لترامب
لطالما اعتمدت الإدارة الأمريكية، لا سيما في حقبة دونالد ترامب، على “السياسة الاستعراضية” والبروباغندا الإعلامية لتعويض العجز الميداني.
وجاءت ادعاءات ترامب الأخيرة حول عمليات “تطهير الألغام” في مضيق هرمز لتكشف حجم المأزق الأمريكي.
فبينما كان ترامب يحاول تسويق انتصار وهمي، كانت الحقيقة الميدانية تصفعه بقوة؛ إذ أثبتت إيران أن المضيق تحت قبضتها الكاملة، وأن الرواية الأمريكية ليست سوى “دعاية كاذبة” تسببت في إحراج الفريق المفاوض في إسلام آباد.
لقد سقطت ورقة “التفوق البحري” الأمريكي أمام الصمود الإيراني.
فالولايات المتحدة التي كانت تتبجح بحماية الممرات المائية، وجدت نفسها عاجزة عن تأمين معبر هامشي واحد لمرور سفنها، بينما كانت أسعار الوقود تشتعل لتتجاوز 110 دولارات، مما وضع الاقتصاد العالمي، والأمريكي خصوصاً، على حافة الانهيار.
هذا الانكسار جعل واشنطن تدخل المفاوضات “عارية” من أي وسيلة ضغط حقيقية، مجبرةً على الاستماع للغة القوة التي تتحدث بها طهران.
”الورقة العشرية”.. خارطة الطريق الإيرانية لتركيع العدوان
ولم تذهب إيران إلى إسلام آباد لتفاوض على فتات، بل ذهبت لتفرض “النقاط العشر” التي تمثل خلاصة انتصارات محور المقاومة.
هذه الورقة لا تقتصر على الملف النووي، بل هي إعلان شامل لوقف الحرب على كافة جبهات المحور، من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن، وصولاً إلى قلب الجمهورية الإسلامية.
النقاط العشر التي أجبرت واشنطن على الموافقة عليها، مع محاولات بائسة للتلاعب ببعض مراحل تنفيذها، تشترط بوضوح:
- وقف العدوان الشامل: إنهاء آلة الحرب الصهيونية-الأمريكية على كافة دول المحور. الانسحاب العسكري: خروج القوات الأمريكية من المنطقة، وهو المطلب الذي طالما نادت به المقاومة منذ استشهاد القادة.
- الضمانات الدولية: تقديم ضمانات قانونية وميدانية بعدم تجدد أي عدوان مستقبلي.
إن الموافقة الأمريكية على هذه النقاط تعني بالضرورة “تصفير الورقة الأمريكية” وشطب كل المطالب التي كانت تضعها واشنطن سابقاً.
لقد أدركت الإدارة الأمريكية أن التفاوض اليوم ينحصر في “ترتيبات التنفيذ” فقط، وليس في أصل الحقوق الإيرانية التي انتزعت بقوة السلاح وصمود الشعب.
السيادة على هرمز.. الجغرافيا التي روضت الأساطيل
التحول الأكبر والأكثر إيلاماً للإمبراطورية الأمريكية كان في “مضيق هرمز”.
هذا الممر المائي الذي كان يُعتبر دولياً تحت الهيمنة الغربية، صار اليوم “بحيرة إيرانية” بامتياز.
لقد صمدت البحرية الإيرانية في وجه التحشيد الجوي والبحري الأمريكي لعدة أشهر، وفرضت إغلاقاً أثبت للعالم أن مفاتيح الاقتصاد العالمي في طهران وليست في واشنطن.
الواقع الجديد الذي تقرره إيران على طاولة المفاوضات هو أن “المضيق لن يعود كما كان”. لقد فرضت الحرب مستحقات جديدة:
- العبور الآمن: لا تمر سفينة إلا بترخيص إيراني مسبق.
- الرسوم السيادية: دفع رسوم عبور للجمهورية الإسلامية، تأكيداً على سيادتها الكاملة.
هذا التحول البحري هو الذي كسر كبرياء “أمريكا أولاً”.
فبينما كان ترامب يبحث عن “عظمة أمريكا”، وجد نفسه عاجزاً عن حماية ناقلة نفط واحدة دون رضا طهران، مما جعل “إيران أولاً” حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.
الملف النووي من “التجميد” إلى “التثبيت”
في عام 2015، كانت المفاوضات تدور حول حدود التخصيب المسموح بها لإيران تحت ضغط “الدول الست”.
اليوم، في عام 2026، انتقل النقاش إلى “حق إيران المطلق في التخصيب والاحتفاظ باليورانيوم المخصب”.
لم يعد الملف النووي ورقة لابتزاز طهران، بل صار أداة قوة بيدها.
إيران اليوم تفاوض على “نسبة التخصيب” التي تختارها هي، وعلى “شفافية” تضمن حقوقها لا تنتهك سيادتها.
العودة إلى روح اتفاق 2015 أصبحت مطلباً أمريكياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما إيران تطالب بما هو أبعد من ذلك:
رفع العقوبات الرئيسية، التعويضات عن سنوات الحصار، وإطلاق كافة الأموال المحتجزة فوراً.
إن “العشية الإيرانية” في إسلام آباد تأكل “الورقة الأمريكية” تدريجياً، تاركةً فريق “فانس” في وضعية الدفاع المستمر.
”جاهزون للسلم.. ومستعدون للحرب”
الجوهر الحقيقي لهذه المفاوضات يكمن في السؤال المصيري: ماذا لو فشلت؟
إيران أجابت بوضوح ميداني لا لبس فيه: “جاهزون للحرب وجاهزون للسلم”.
لكن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يعيشان مأزقاً وجودياً؛ فبعد جولة من المواجهة استمرت أربعين يوماً دون تحقيق أي نتيجة تذكر، بل بنتائج عكسية مدمرة، أصبح خيار العودة للحرب بالنسبة لواشنطن “انتحاراً استراتيجياً”.
القدرة الإيرانية على خوض حرب طويلة النفس، وتفعيل كافة جبهات المحور بتناغم مذهل، هي التي جعلت “جين ديفانس” وفريقه يدركون أن التوقيع على الشروط الإيرانية هو المخرج الوحيد المتاح.
فالبديل هو انهيار كامل للمصالح الأمريكية في المنطقة، واشتعال أسعار الطاقة لمستويات لا يمكن للاقتصاد الغربي تحملها.
الخاتمة: انتصار الإرادة وسقوط الهيمنة
إن مفاوضات إسلام آباد ليست مجرد لقاء ديبلوماسي، بل هي “وثيقة استسلام” مقنعة للهيمنة الأمريكية التي سادت لعقود.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحت قيادة حكيمة وميدان صامد، أن سياسة “المقاومة” هي الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق.
بينما يلملم الفريق الأمريكي أوراقه المبعثرة، تخرج إيران من هذه الجولة كقوة إقليمية عظمى، فرضت سيادتها على البحار، وحمت برنامجها النووي، وثبتت أقدام محور المقاومة كلاعب أساسي في رسم خارطة العالم الجديد.
لقد ولى زمن “أمريكا أولاً” بضجيجه الفارغ، وحل زمن “إرادة الشعوب” التي تمثل إيران رأس حربتها، ليعلن التاريخ أن من يصمد في الميدان، هو من يكتب بنود المعاهدات في القاعات.