الشيخ نعيم قاسم: “لا خيار إلا المواجهة.. والميدان سيرغم العدو على وقف عدوانه وتطبيق الاتفاقات”
يمانيون |
في توقيتٍ بالغ الحساسية من عمر المواجهة المستمرة، أطلّ الأمين العام لحزب الله اللبناني، الشيخ نعيم قاسم، اليوم ليضع النقاط على الحروف في مشهدٍ إقليمي ودولي يغلي بالتحولات.
لم يكن الخطاب مجرد عرض لموقف سياسي، بل كان بمثابة “مانيفستو” للمرحلة المقبلة، عنوانه العريض أن المقاومة قد استنفدت خيارات الصبر الدبلوماسي أمام “خداع” المحتل، وأن اللغة الوحيدة التي يفهمها الكيان ومن خلفه الولايات المتحدة هي لغة القوة.
يأتي هذا الخطاب بعد خمسة عشر شهراً من المماطلة الإسرائيلية في تطبيق اتفاق 27 نوفمبر 2024، ليعلن الشيخ قاسم انتقال المقاومة إلى استراتيجية “إرغام العدو”، مؤكداً أن زمن التنازلات المجانية قد ولى، وأن الميدان هو وحده من سيصيغ مستقبل السيادة اللبنانية.
خديعة تشرين وسقوط الرهان على الدبلوماسية
بدأ الشيخ قاسم تقييمه للوضع من زاوية نقدية لما آلت إليه الاتفاقات غير المباشرة.
فبعد صمود أسطوري، وصلت الدولة اللبنانية إلى اتفاق في نوفمبر 2024 كان من المفترض أن ينهي العدوان ويؤمن الانسحاب والإعمار.
إلا أن القراءة التي قدمها الشيخ كشفت عن “عشرة آلاف خرق” صهيوني، استشهد خلالها 500 مدني وهدمت بيوت وسط صمت دولي مطبق.
واعتبر الشيخ قاسم هذا الواقع بأن “الدبلوماسية لم تتقدم خطوة واحدة”، وأن الوعود الدولية بالضغط على إسرائيل كانت مجرد تخدير للساحة اللبنانية.
ومن هنا، جاء رد المقاومة في 2 مارس كضرورة استراتيجية لكشف خطة عدوانية كبرى كانت معدة لمفاجأة لبنان.
والإشارة هنا إلى أن المقاومة انتقلت من وضعية “الدفاع الملتزم بالاتفاق” إلى “الدفاع الاستباقي” لانتزاع الحقوق التي سُلبت على طاولة المفاوضات الورقية.
مشروع “إسرائيل الكبرى” واستهداف الوجود اللبناني
ويواصل الشيخ قاسم رؤيته لأهداف العدوان، حيث تجاوز الوصف التقليدي بكونه “حرباً على حزب الله”.
حيث أكد الشيخ أن الممارسات الصهيونية تثبت السعي لإحياء مشروع “إسرائيل الكبرى”، وهو مشروع لا يستهدف فئة بعينها بل يهدف لإبادة عناصر القوة في لبنان ككل.
وشدد الخطاب على أن احتلال الجنوب هو احتلال لكل لبنان، وأن الضغط العسكري يهدف لتحويل الدولة اللبنانية إلى “أداة تنفيذية” لمطالب واشنطن وتل أبيب.
يظهر الخطاب أن حزب الله يرى في المطالب الدولية بتقوية الجيش لنزع سلاح المقاومة “فخاً” يراد منه إحداث فتنة داخلية وضرب المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تمثل بيئة المقاومة، وهو ما وصفه الشيخ بـ”الإعدام الوجودي” الذي لن يسمح به اللبنانيون.
الجبهة الداخلية وأدوات الفتنة العابرة للحدود
وخصص الشيخ قاسم حيزاً كبيراً لمواجهة محاولات التفتيت الداخلي.
وحذر بلهجة حازمة من أن “الفتنة مشروع خارجي” تديره أمريكا عبر أدوات محلية تحاول قلب الحقائق وتصوير المقاومة كعبء.
وفي نقدٍ مباشر للسلطة السياسية، اعتبر الشيخ أن قرارات “2 مارس” التي جرمت المقاومة هي “خطيئة كبرى” وطعنة في الظهر، داعياً الحكومة للتراجع عنها تحت قاعدة أن “التراجع فضيلة”.
الرسالة هنا كانت واضحة: الوحدة الوطنية هي الرد الاستراتيجي على الفتنة.
وقد فكك الشيخ قاسم محاولات الوقيعة بين السنة والشيعة، وبين النازحين والمقيمين، مؤكداً على وحدة المصير مع حركة أمل تحت مظلة نهج الإمام الصدر، ومشدداً على أن المسيحيين والمسلمين في خندق واحد ضد “الشياطين” الذين يبثون السموم.
الميدان يتكلم.. تكتيكات “العصف المأكول”
ميدانياً، رسم الخطاب صورة لواقع عسكري جديد.
أكد الشيخ قاسم أن المقاومة لا تقاتل بأسلوب الجيوش الكلاسيكية التي تثبت في الجغرافيا، بل بأسلوب “الكر والفر” والغموض الذي يربك حسابات العدو.
ومع تسجيل معدل 42 عملية يومياً، وتدمير 136 دبابة، وجه الشيخ رسالة رعب للمستوطنين والجنود: “المستوطنات لن تكون آمنة”، والفرصة قائمة دائماً لأسر جنود صهاينة يتجولون فوق الأرض اللبنانية.
التحليل العسكري للخطاب يشير إلى أن المقاومة نجحت في تحويل “أمن الشمال” إلى كابوس مستدام للنتنياهو، معتبرة أن حجم التضحيات اللبنانية، رغم ألمه، هو ثمن ضروري لمنع ضياع الوطن بالكامل، فالمواجهة أقل كلفة من الاستسلام لعدو لا يشبع من الدماء.
المدى الإقليمي.. من طهران إلى صنعاء وبغداد
ولم يغفل الشيخ قاسم البعد الإقليمي، حيث وجه شكراً صريحاً لـ”محور المقاومة” في اليمن والعراق وإيران.
وأكد أن استهداف إيران تحت ذريعة الملف النووي هو في الحقيقة محاولة لسرقة خيراتها وتغيير نظامها المستقل.
وفيما يخص العلاقة مع الدول العربية، وتحديداً الخليج (الكويت، البحرين، الإمارات)، قدم الشيخ رسالة تطمين ممزوجة بالعتب، نافياً وجود أي خلايا للحزب خارج لبنان، وداعياً هذه الدول لعدم الانجرار خلف الرواية الصهيونية، لأن المشروع الإسرائيلي سيطال الجميع في نهاية المطاف.
كما أكد على وحدة المسار مع سوريا، محذراً من محاولات جر دمشق إلى صدام مع لبنان لمصلحة واشنطن.
الشروط الخمسة ومعادلة النصر بالصمود
ووضع الأمين العام خريطة طريق واضحة لإنهاء العدوان، تتلخص في خمسة شروط سيادية غير قابلة للتفاوض:
- وقف العدوان الشامل براً وبحراً وجواً.
- الانسحاب الفوري والشامل من كل شبر محتل.
- الإفراج عن كافة الأسرى.
- عودة النازحين إلى آخر بيت في القرى الحدودية.
- إعادة الإعمار بقرار رسمي ودعم دولي.
هذه الشروط هي التي ستحدد ملامح المرحلة القادمة، مع تأكيد الحزب أن التفاوض المباشر الذي تطرحه السلطة حالياً هو “إذعان واستسلام” لا يحظى بإجماع وطني.
الخاتمة: كربلائيون حتى النصر أو الشهادة
وختم الشيخ نعيم قاسم خطابه بروحية كربلائية، معتبراً أن “النصر هو الثبات”، وأن المقاومة التي قدمت قادتها الكبار، وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، لا يمكن أن تساوم على دماء الشهداء وأمانة الجرحى.
إن الرسالة النهائية الموجهة للصديق والعدو هي أن لبنان “عصيّ على الكسر”، وأن خيار المقاومة هو القدر المحتوم لاستعادة السيادة، فالميدان وحده هو من سيضع الخاتمة لهذا العدوان، وألسنة المجاهدين ستظل مشغولة بذكر الله بينما أيديهم تضغط على الزناد حتى التحرير الكامل.