الشهيد زيد علي مصلح.. أشتر المسيرة القرآنية

في سجلات التاريخ المشرقة، تتلألأ أسماءٌ من رجال الله وأولياؤه خطّت بدمائها الزكية أروع ملاحم الفداء والتضحية, ومن بين هذه القامات الشامخة والشخصيات المحورية، يبرز اسم الشهيد زيد علي مصلح سند، الذي لم يكن مجرد فردٍ في المسيرة القرآنية ، بل كان نجمًا ساطعًا في سماء العلم والجهاد، ورمزًا خالدًا للعطاء والإباء, ومثالًا يحتذى به في الشجاعة والإيمان والوعي والبصيرة ونبراسا لمن ينضوون تحت لواء المسيرة القرآنية التي أسسها شهيد القرآن الشهيد القائد  السيد حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”

يهدف هذا التقرير الصحفي إلى تسليط الضوء على جوانب من حياة هذا الشهيد العظيم الذي وهب روحه ودمه في سبيل الله فداء لمبادئه، مستعرضًا نشأته، ومسيرته التعليمية القرآنية، وأدواره الريادية كقائد، وشاعر، ومربٍ، وصولًا إلى صفاته الشخصية الفذة ومواقفه البطولية التي توجت باستشهاده الأسطوري ، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة الأمة كقدوة للأجيال, ومنارةٍ تضيء دروب الساعين نحو الحق والعدل.

يمانيون| محسن علي

النشأة والتعليم.. نسب شريف وبيئة قرآنية

ولد السيد المجاهد الشهيد زيد علي مصلح سند حوالي عام 1384 هـ الموافق 1964 م، في منطقة مران بمحافظة صعدة شمال اليمن, ويتصل نسبه الشريف بالإمام الهادي يحيى بن الحسين، حفيد الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، مما منحه إرثًا عريقًا من العلم والفصاحة, نشأ وترعرع في أحضان أسرة هاشمية عُرفت بالصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق في وديان مران الخضراء، التي وصفها في شعره بقوله

أطلُّ على مران فاق جمالها

كأني في الجنات إذ أتنسم

هواء كعطر المسك إذ هو ثائر

وأرض كجنات بها المرؤ ينعم

بساتينها الخضراء تنطق آية

كلوحة فنان بها الرمز يفهم

تلقى الشهيد تعليمه على يد السيد الجليل والعالم الرباني بدر الدين بن أمير الدين الحوثي “رضون الله عليه”، الذي كان قدوة للمجاهدين ووارثًا لعلوم أهل البيت, من هذا المعلم الفذ، استقى الشهيد زيد العلم والفقه ومكارم الأخلاق والشجاعة والجهاد في سبيل الله، مما صقل شخصيته وجعله مثالًا يحتذى به في العمل لما فيه مصلحة العباد والبلاد.

 

الدور الريادي في المسيرة القرآنية

كان للشهيد زيد علي مصلح أدوار متعددة ومحورية في المسيرة القرآنية, فقد كان مديرًا لمدرسة الإمام الهادي (عليه السلام) في مران منذ أن أنشأها السيد حسين بدر الدين الحوثي عام 1412 هـ, ومن خلال هذه المدرسة، انطلق لنشر الهدى والنور إلى أغلب مناطق صعدة وغيرها، مستقبلًا طلاب العلم والفضيلة من مختلف المحافظات اليمنية, ولم يقتصر دوره على الجانب التعليمي، بل كان الساعد الأيمن للشهيد القائد مؤسس المسيرة القرآنية المظفرة، يعمل بجد ونشاط ومثابرة وعزيمة في سبيل الله، متفرغًا من كل ما يمكن أن يشغله, كما كان شاعر المسيرة القرآنية منذ نشأتها، حيث كان شعره انعكاسًا لما يحمله من شعور بالمسؤولية تجاه دينه وأمته ووطنه, بالإضافة إلى ذلك، كان خطيبًا بارعًا يمتلك قدرة بيانية كبيرة وموهبة خطابية عالية، وأسلوبًا فريدًا في النفاذ إلى القلوب، مما جعله قادرًا على بعث الحماس والشجاعة وإثارة المشاعر والعواطف في النفوس.

 

الصفات الشخصية والمواقف البطولية

بإيمان راسخ وشجاعة لا تلين , تميز الشهيد زيد علي مصلح بصفات شخصية فريدة جعلت منه قائدًا استثنائيًا, كان معروفًا بقوته في ذات الله وبغضه الشديد للمنافقين، ولا يخشى في الله لومة لائم, وبحسب المصادر فقد كانت الفصاحة والبلاغة من أبرز سماته، حيث ورثها عن أجداده, كما كان عاشقًا للجهاد والتضحية والشهادة في سبيل الله، وهو ما يتجلى في كتاباته وخطاباته وشعره، مثل قوله:

لفجر الشهادة قلنا نعم

وللذات لا, لا, ولا للصنم

نعم للكتاب نعم للقتال

ولا للسُّهاد ولا للعدم

نعم للجهاد نعم للنضال

ولا للحياة بحُلْك الظُلَم

نعم للرصاص بصدر العداء

ولا للإهانة لا للألم.

 

من مواقفه البطولية الخالدة

من أبرز مواقفه البطولية، رده على من طلبوا منه تسليم نفسه للسلطة آنذاك بقوله: “لقد سلمنا أنفسنا لله عز وجل”,وعندما رأى تكالب الجموع الغفيرة تستعد للزحف عليه هو ومجموعة قليلة من أصحابه، تمثل في رسالة وجهها للشهيد القائد بقول أبي طالب لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله):

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا.

 

الاستشهاد.. معراج نحو الخلود

كان الشهيد رضوان الله عليه على موعد مع الشهادة التي طالما تمناها, ففي يوم الخميس الموافق 19 جمادى الأولى 1425 هـ، استشهد في منطقة تسمى الخربة أسفل جبل مران خلال الحرب الأولى التي شنتها السلطة الظالمة بقيادة الصريع صالح على محافظة صعدة لوأد المشروع القرآني بتوجيهات أمريكية, لقد ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والصمود والاستبسال، حيث واجه بمجموعة قليلة من أصحابه الآلاف من الضباط والجنود الذين كانت تسندهم كافة أنواع الأسلحة والطائرات الحربية .

 

مقولة تاريخية للشهيد في ساحة المواجهة

في ساحة الشرف والمواجهة وهو يذود عن المشروع القرآني من واقع الاستضعاف من جهة ومن واقع بصيرة المؤمن الواثق بنور الله ونصره وتأييده، أطلق مقولته التاريخية الخالدة: “سأجعل من مقامي هذا سُلَّما للنصر أو معراجا للشهادة”, وقد وفى بوعده وبرَّ بعهده، حيث حلقت روحه مرفرفة في سماء المجد والشموخ, وقد وصف شهيد القرآن السيد حسين  بدر الدين استشهاده بقوله: “رحم الله أخي الشهيد زيد فقد نال ما تمنى وتُوَّج وساما رفيعا بالشهادة وصار في مصاف الأولياء ورفض الخنوع في زمن الذل”.

 

الإرث والخلود.. قدوة للأجيال

ترك الشهيد زيد علي مصلح إرثًا عظيمًا يمتد تأثيره إلى اليوم, فهو يُعد نموذجًا للقائد المجاهد والمثقف القرآني الذي جمع بين العلم والعمل، والفصاحة والشجاعة, ولا يزال اسمه يُذكر كرمز للتضحية والفداء في المسيرة القرآنية، ومصدر إلهام للأجيال, وقد تأسست مؤسسة باسمه (مؤسسة الشهيد زيد علي مصلح) تعنى بنشر الثقافة القرآنية والإنتاج الفني والجهادي، مما يؤكد على استمرارية تأثيره وحضوره في الوعي المجتمعي.

 

ختاما

إن شخصية الشهيد زيد علي مصلح تجسد أسمى معاني الإيمان والشجاعة والتضحية, لقد كان قائدًا فذًا، وشاعرًا ملهمًا، ومربيًا فاضلًا، كرس حياته لخدمة دينه وأمته, فاستشهاده لم يكن نهاية المطاف، بل كان معراجًا نحو الخلود، ووقودًا للمسيرة القرآنية، ليظل اسمه منارة تهتدي بها الأجيال في طريق العزة والكرامة, ومن يمعن البحث في هذه الشخصية العظيمة وتاريخها الجهادي الحافل بالعطاء والإيثار والتضحية سيجد أن مكانته عند شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين مثل مكانة الأشتر عند الإمام علي عليه السلام , مثلما كانت مكانة الإمام علي عند رسول الله صلوات الله عليه وآله.

You might also like