العدو الإسرائيلي الصهيوني العالمي .. مشروع بلا جذور يقوم على الدعم الأمريكي والتخاذل العربي
تمثل الصهيونية العالمية أحد أخطر المشاريع الاستعمارية الحديثة التي شهدها العالم خلال القرنين الماضيين، حيث قامت على فكرة إحلالية استيطانية هدفت إلى إنشاء كيان غريب في قلب المنطقة العربية والإسلامية، مستندة إلى الدعم الغربي الواسع، وفي مقدمة ذلك الدعم الشراكة الأمريكية الاستراتيجية التي شكلت الركيزة الأساسية لبقاء الكيان الإسرائيلي واستمراره، وعلى الرغم من امتلاكه ترسانة عسكرية متطورة ودعماً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً هائلاً، فإن الكيان الإسرائيلي يظل كياناً يفتقر إلى الجذور الطبيعية والتاريخية التي تمنح الدول والشعوب أسباب الاستقرار والاستمرار، الأمر الذي يجعله يعتمد بصورة دائمة على عوامل خارجية وقوى داعمة لتعويض أزمة الشرعية والهوية التي يعاني منها.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
كيان بلا جذور تاريخية أو حضارية
تكشف طبيعة المشروع الصهيوني عن حقيقة أساسية تتمثل في أنه لم ينشأ نتيجة تطور طبيعي لشعب يعيش على أرضه، بل تأسس من خلال مشروع استيطاني استجلب مهاجرين من عشرات الدول والثقافات المختلفة ليحلوا محل الشعب الفلسطيني الأصيل، وهذه الحقيقة تجعل الكيان الصهيوني مختلفاً عن الدول التي تشكلت عبر مسارات تاريخية وحضارية متراكمة، إذ يظل مرتبطاً بعوامل القوة العسكرية والدعم الخارجي أكثر من ارتباطه بالشرعية التاريخية أو الانتماء الطبيعي للأرض، وتبرز هذه الأزمة في حالة القلق الوجودي الدائم التي تسيطر على المؤسسة الصهيونية، حيث يبقى هاجس الأمن والبقاء حاضراً في مختلف السياسات والاستراتيجيات العسكرية والسياسية التي ينتهجها الكيان.
الشراكة الأمريكية.. العمود الفقري لبقاء كيان العدو
لا يمكن فهم قوة كيان العدو الإسرائيلي بعيداً عن حجم الدعم الأمريكي الذي يحظى به على المستويات كافة، فالولايات المتحدة تنظر إلى الكيان باعتباره قاعدة متقدمة لمصالحها في المنطقة، وأداة استراتيجية للحفاظ على النفوذ الغربي والسيطرة على الممرات الحيوية والثروات الطبيعية ومنع تشكل أي قوة إقليمية مستقلة يمكن أن تهدد الهيمنة الأمريكية،
وتشمل هذه الشراكة الدعم العسكري والتسليحي غير المحدود، والحماية السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية، والدعم الاقتصادي والتكنولوجي، والتغطية الإعلامية والدعائية على المستوى العالمي، وتوفير الغطاء القانوني والسياسي للجرائم والانتهاكات، ومن دون هذا الدعم الضخم يصعب تصور قدرة الكيان الإسرائيلي على المحافظة على تفوقه الحالي أو الاستمرار في فرض سياساته العدوانية على المنطقة.
التخاذل العربي أحد عوامل قوة المشروع الصهيوني
إلى جانب الدعم الأمريكي، استفاد المشروع الصهيوني بصورة كبيرة من حالة الانقسام والتشرذم التي عاشتها الأمة العربية والإسلامية خلال العقود الماضية، فبدلاً من توحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، انشغلت العديد من الأنظمة بالصراعات الداخلية والخلافات البينية، الأمر الذي وفر للعدو الإسرائيلي بيئة مناسبة لتعزيز نفوذه وتوسيع حضوره السياسي والأمني والاقتصادي، كما ساهمت سياسات التطبيع والتقارب مع الاحتلال في منح الكيان مكاسب استراتيجية كبيرة، إذ انتقل من حالة العزلة النسبية إلى بناء شبكات من العلاقات والتفاهمات التي سعى من خلالها إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يخدم مصالحه.
استغلال قوى النفاق والخيانة لضرب الوعي الجمعي
من أبرز الأدوات التي يعتمد عليها المشروع الصهيوني توظيف شبكات واسعة من التأثير السياسي والإعلامي والثقافي بهدف إضعاف الروح المعنوية للشعوب وتشويه الحقائق،
وتعمل هذه الأدوات على نشر ثقافة الهزيمة واليأس، والتقليل من أهمية قضايا الأمة المركزية، والتشكيك بقدرة الشعوب على التغيير،
وتبرير جرائم الاحتلال والتغطية عليها، وصناعة حالة من الإحباط والإرباك الفكري، وتبرز هنا خطورة ما يمكن وصفه بقوى النفاق والخيانة التي تتحرك في بعض الأحيان تحت عناوين سياسية أو إعلامية أو ثقافية، بينما تؤدي عملياً دوراً يخدم أهداف العدو من خلال تثبيط الأمة وإضعاف إرادتها وصرفها عن مسؤولياتها الكبرى.
الحرب النفسية وتثبيط الأمة
أدركت الصهيونية العالمية مبكراً أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي، ولذلك ركزت بشكل كبير على الحرب النفسية باعتبارها وسيلة فعالة لإضعاف الأمة من الداخل، وتسعى هذه الحرب إلى ترسيخ مجموعة من الرسائل السلبية، من أهمها أن العدو لا يُهزم، وأن المقاومة بلا جدوى، وأن موازين القوى ثابتة لا يمكن تغييرها،
وأن الاستسلام هو الخيار الواقعي الوحيد، غير أن تجارب التاريخ تثبت أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والوعي والقدرة على الصمود قادرة على تغيير المعادلات مهما بلغت قوة خصومها، وأن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الانتصار السياسي أو الحضاري.
المسؤولية الكبرى للأمة
تفرض التحديات الراهنة على الأمة العربية والإسلامية مسؤولية مضاعفة تتمثل في تعزيز الوعي بطبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه الحقيقية، والعمل على بناء حالة من التماسك والوحدة واليقظة الفكرية لمواجهة محاولات الاختراق والتضليل، وتشمل هذه المسؤولية ، ترسيخ الوعي بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، ومواجهة حملات التضليل الإعلامي، تعزيز ثقافة الاستقلال والسيادة، ودعم عوامل الوحدة والتكامل بين الشعوب، وبناء أجيال واعية بحقائق الصراع وأبعاده.
ختاما ..
تكشف قراءة طبيعة العدو الصهيوني العالمي أن هذا المشروع لم يقم على جذور تاريخية أو حضارية راسخة، وإنما اعتمد بصورة أساسية على القوة العسكرية والدعم الغربي، وفي مقدمته الشراكة الأمريكية، مستفيداً في الوقت نفسه من حالة التخاذل والانقسام التي أصابت الأمة. كما عمل على استغلال أدوات الحرب النفسية وقوى التأثير المختلفة لتثبيط الشعوب وإضعاف إرادتها، ومن هنا تبرز أهمية الوعي والبصيرة باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستعمار، فالأمم التي تدرك طبيعة التحديات التي تواجهها تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها والمحافظة على هويتها وحقوقها.