المشروع القرآني .. مسيرة وعيٍ كسرت الهيمنة وصنعت التحول

لم يكن “المشروع القرآني” الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه مجرد طرحٍ فكري عابر، ولا خطابٍ ديني تقليدي، بل كان صرخة وعيٍ مدوية في وجه مرحلةٍ تاريخيةٍ خطيرة، خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أعادت قوى الهيمنة والاستكبار تشكيل المنطقة ودفعت بالأمة نحو مسارات التبعية والارتهان، في تلك اللحظة الفاصلة، حيث ساد الصمت، وتراجعت الإرادة، وتكاثفت مشاريع الإخضاع، انطلق المشروع القرآني ليعلن بوضوح، أن المواجهة ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، وأن القرآن ليس كتاب تلاوةٍ فحسب، بل كتاب حركةٍ وبناءٍ وتحرير.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

مناخ الانكسار .. وبداية الانبعاث

جاء المشروع في زمنٍ كانت فيه الأمة تعيش حالة من التيه، من اختراق ثقافي واسع، وهيمنة سياسية مباشرة وغير مباشرة، وتهميش لقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتغييب للهوية الإيمانية الجامعة، وفي مقابل هذا الواقع، لم يقدّم المشروع حلولًا سطحية، بل أعاد تعريف المعركة من جذورها لتكون بحق معركة وعيٍ وهويةٍ واستقلال.

 

المشروع القرآني .. إعادة بناء الإنسان

لم يكن المشروع مجرد شعارات، بل رؤية متكاملة لإعادة صياغة الإنسان انطلاقا من القرآن كمنهج حياة، بإعادة القرآن إلى موقعه الطبيعي كمرجعية عليا تُدار بها الحياة، لا كنصٍ معزول عن الواقع، وكذلك تحرير الوعي من خلال تفكيك أدوات التضليل، وكشف أساليب الهيمنة، وبناء عقلٍ ناقدٍ لا يقبل الوصاية، وانتهاء باستنهاض المسؤولية وتحويل الإنسان من متلقٍ سلبي إلى فاعلٍ مسؤول، يرى نفسه جزءًا من معركة الأمة.

الصرخة .. كسر حاجز الخوف

في لحظةٍ كان فيها مجرد الاعتراض يُعد مغامرة، جاءت “الصرخة” لتكسر جدار الصمت، وتعيد تعريف الموقف، ليست مجرد شعار، بل إعلان موقف، وتحديد عدو، وبناء وعي جمعي، لقد تحولت الصرخة من صوتٍ محدود إلى حالة جماهيرية واسعة، تعبر عن رفض الهيمنة، وتؤسس لثقافة مقاومة.

لماذا حورب المشروع؟

لأنّه ببساطة كشف أدوات السيطرة الخارجية، ورفض التبعية السياسية، وحرّك الشارع من حالة السكون، وأعاد تعريف العلاقة بين الحاكم والشعب، لذلك، واجه المشروع حربًا متعددة الأوجه،
إعلاميًا بالتشويه والتضليل، وأمنيًا بالملاحقات والاعتقالات، عسكريًا بحروبٍ مباشرة استهدفت وجوده، وقد بلغت ذروة هذا الاستهداف باغتيال قائده في عام 2004، في محاولةٍ لقطع الطريق أمام تمدده.

من الدم إلى الامتداد .. معادلة الانتصار

ظنّ خصوم المشروع أن استشهاد قائده نهاية المسار، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، فقد تحوّل المشروع إلى قضية حيّة، وازداد الالتفاف الشعبي حوله، وانتقل من نطاقٍ محلي إلى حضورٍ أوسع، وهنا تتجلى واحدة من أهم دلالاته، أن المشاريع المرتبطة بالوعي لا تموت بالقمع، بل تتجذر به.

التحول إلى قوة فاعلة

مع مرور الوقت، لم يعد المشروع إطارًا فكريًا فقط، بل أصبح قوة اجتماعية منظمة، وحضورًا سياسيًا مؤثرًا، وفاعلًا عسكريًا ضمن معادلات الصراع، وارتبط اسمه بشكل مباشر بحركة أنصار الله، التي أصبحت أحد أبرز الفاعلين في المشهد اليمني والإقليمي.

الدلالات العميقة للمشروع

الوعي كسلاح، فقد أثبت المشروع أن أخطر ما يمكن أن تمتلكه الشعوب هو الوعي، لأنه يسبق كل أدوات القوة،
كسر الهيمنة، وإعادة رسم معادلة العلاقة مع القوى الكبرى من التبعية إلى المواجهة، بناء نموذج مختلف، حيث قدّم نموذجًا يجمع بين الدين كمرجعية والسياسة كأداة والمجتمع كحاضنة.

الرسالة المستمرة

يحمل المشروع اليوم رسائل واضحة، أن لا كرامة لأمة بلا استقلال، ولا وعي بلا مرجعية، ولا مواجهة بلا استعداد وإيمان راسخ، وهو في جوهره دعوة مفتوحة لإعادة بناء الأمة على أسس، الإيمان والوعي و المسؤولية و التحرر.

ختاما ..

مشروع لا يُهزم لأنه وُلد من الوعي، بعد سنوات على انطلاقه، يثبت المشروع القرآني أنه لم يكن حدثًا عابرًا، بل مسارًا متصاعدًا، فكلما اشتدت عليه الضغوط، ازداد حضورًا، وكلما حاولت قوى الهيمنة احتواءه، أعاد إنتاج نفسه بأشكالٍ أكثر قوة، إنه مشروعٌ لا يستمد قوته من السلاح وحده، بل من الإيمان بالله والثقة بنصره وتأييده ، ومن هنا، تبدو المعركة الحقيقية التي يخوضها، معركة وعيٍ لن تتوقف.

You might also like