حجر الزاوية وسيد العلم والجهاد: عبدالله علي مصلح.. من حلقات العلم إلى خلود الشهادة
خلف كل مسيرة عظيمة، تقف قامات شامخة صقلتها ميادين العلم والجهاد، ووهبت أرواحها فداءً لمبادئها, في اليمن، حيث تتجلى أسمى معاني الصمود، تروي لنا سيرة الشهيد عبدالله علي مصلح سند قصة رجلٍ جمع بين العلم والعمل، بين الورع والشجاعة، ليصبح الساعد الأيمن لمؤسس المسيرة القرآنية الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي” رضوان الله عليه” إلى جانب أخيه الشهيد زيد علي مصلح, فمن حلقات العلم في قرية “الخربة” إلى ميادين الإصلاح ومواجهة الأفكار الوهابية، وصولاً إلى استشهاده في حرب مران، يظل الشهيد عبدالله رمزاً للإيمان الصادق والتضحية اللامحدودة، تاركاً إرثاً خالداً يضيء دروب الأجيال القادمة.
هذا التقرير يغوص في الأبعاد المتعددة لسيرة هذه القامة الجهادية، من نشأته العلمية على يد السيد العلامة الرباني بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”، إلى أدواره الريادية في التعليم والإصلاح، ومواقفه البطولية في مواجهة التحديات، وصولاً إلى استشهاده في سبيل الله ومسيرة الحرية والصمود، مؤكداً بدمه الطاهر أن الإيمان الحقيقي يتجسد في الفعل والتضحية.
يمانيون| محسن علي
النشأة والتكوين
في رحاب العلم والجهاد نشأ السيد المجاهد الشهيد عبدالله علي مصلح في بيئة علمية وجهادية خصبة، حيث تتلمذ على يد السيد العالم الرباني الجليل بدر الدين الحوثي ” طيب الله ثراه”، والد الشهيد القائد, كان من أبرز طلابه الملازمين له في حلقات العلم التي كانت تُعقد في جامعه بقرية “الخرب” وفي بيته. تميزت هذه الحلقات العلمية بكونها لا تقتصر على الجانب النظري فحسب، بل كانت تعتمد التطبيق العملي كجزء أساسي، مما صقل شخصية الشهيد عبدالله وجعله عالمًا مجاهدًا يجمع بين العلم والعمل.
لقد أتاحت له هذه البيئة التعليمية الفريدة فرصة للنهل من علوم أهل البيت، والتأثر بأخلاق وسلوكيات معلمه، وتطبيق منهجه في التعليم والتبليغ والإصلاح بين الناس. لم تكن الظروف آنذاك مهيأة للتحصيل العلمي فقط، بل كانت تتطلب من الطلاب الاحتذاء حذو معلمهم وقائدهم في التبليغ والإصلاح، وهو ما دفع الشهيد عبدالله للانتقال إلى منطقة “ولد عمرو” للإقامة فيها، استجابة لرغبة أهل المنطقة وداعي الله لنشر العلم والمعرفة.
الساعد الأيمن للشهيد القائد.. رفيق الدرب والمشروع القرآني
كانت علاقة الشهيد عبدالله علي مصلح بالشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي علاقة وثيقة ومتميزة، تجاوزت حدود التلمذة إلى رفاقة الدرب في المشروع القرآني’, لقد كان الشهيد عبدالله من أوائل من آمنوا بمشروع السيد حسين، وشارك معه في أغلب الأعمال والتحركات منذ البدايات الأولى, كان محبًا للسيد حسين، ملازمًا له، ومنفذًا لتوجيهاته بدقة، مما جعله ساعده الأيمن في تأسيس المسيرة القرآنية وتثبيت دعائمها بل ولقد كان الشهيد عبدالله حجر الزاوية في العديد من الأنشطة التي قام بها الشهيد القائد، وكان له دور محوري في تجميع الناس وتفهيمهم أهمية الانخراط في كيان يحفظ الأمة ويعزز من تواجدها الفكري والثقافي,هذه العلاقة المتينة والعمل المشترك كان لهما بالغ الأثر في مسار المسيرة القرآنية، وجعلا من الشهيد عبدالله شخصية لا غنى عنها في فهم تاريخ هذه المسيرة.
أدوار ريادية.. منبر العلم وميدان الإصلاح
تعددت أدوار الشهيد عبدالله علي مصلح في المسيرة القرآنية، ولم تقتصر على جانب واحد. فقد كان مدرسًا ومبلغًا نشطًا، يفتح حلقات علمية ويقوم بالتدريس في مختلف المناطق، مساهمًا في نشر الهدى والنور. كما كان له دور بارز في العملية التربوية والتعليمية، وخاصة في الدورات الصيفية التي أقامها منتدى الشباب المؤمن آنذاك , وإلى جانب دوره التعليمي، كان الشهيد عبدالله مصلح مصلحًا اجتماعيًا وقاضيًا يحظى بثقة الناس والسيد بدر الدين الحوثي نفسه، الذي كان يحيل إليه العديد من القضايا, كان يتميز بقدرته على الاستماع إلى المتخاصمين واستيفاء الأدلة قبل النطق بالحكم، مما يجعله مقبولًا لدى الجميع. كما كان له دور محوري في الحد من انتشار الأفكار الوهابية والتكفيرية في صعدة، من خلال الحجة والمنطق المستمد من القرآن الكريم.
الصفات الشخصية.. أخلاق قرآنية وشجاعة لا تلين
تميز الشهيد عبدالله علي مصلح بصفات شخصية فريدة جعلت منه قدوة حسنة, فكان دمث الأخلاق، بشوشًا، متواضعًا، وعادلًا في تعامله مع الجميع, ورعًا وتقيًا، لدرجة أنه كان يرفض الأكل من طعام مدرسة الإمام الهادي مع طلابه، خوفًا من عدم استحقاقه له رغم تفانيه في أداء واجباته , لقد كان الشهيد شجاعًا وجريئًا في قول الحق، لا يخشى في الله لومة لائم, هذه الصفات الأخلاقية العالية، ممزوجة بإيمانه الراسخ، كانت المحرك الأساسي لأدواره الجهادية والإصلاحية، وجعلت منه شخصية مؤثرة ومحترمة في مجتمعه.
الاستشهاد.. خاتمة العطاء وبداية الخلود
كان الشهيد من أوائل الشهداء في الحرب الأولى بصعدة (حرب مران), وكان استشهاده بمثابة حجر الزاوية في مسيرة الصمود والتضحية، حيث كان له دور محوري في تلك المرحلة العصيبة, ووصف بأنه “حجر الزاوية في أغلب الأعمال وخصوصاً مع بدء الإرهاصات الأولى لحرب صعدة الأولى” ,لقد نال الحياة الأبدية وهو في ميدان الشرف والبطولة، مدافعًا عن مبادئه وقيمه التي آمن بها وعمل من أجلها طوال حياته, وكان استشهاده خسارة كبيرة للمسيرة القرآنية، ولكنه في الوقت نفسه كان وقودًا لها، وملهمًا للمجاهدين لمواصلة الطريق.
الإرث والخلود.. منارة للأجيال
ترك الشهيد عبدالله علي مصلح إرثًا عظيمًا يمتد تأثيره إلى اليوم. فهو يُعد نموذجًا للعالم المجاهد الذي يجمع بين العلم والعمل الميداني، ويُضرب به المثل في التواضع والورع والشجاعة. لا يزال اسمه يُذكر كرمز للتضحية والفداء في المسيرة القرآنية، ومصدر إلهام للأجيال, وقد تم إنتاج أفلام وثائقية عنه، أبرزها “سيد العلم والجهاد”، مما يؤكد على استمرارية تأثيره وحضوره في الوعي المجتمعي والجهادي.
وفاء لدماء الشهداء
إن سيرة الشهيد عبدالله علي مصلح هي قصة إيمان عميق، وعلم راسخ، وجهاد مستمر، وتضحية لا حدود لها. لقد كان رفيق درب أمينًا للشهيد القائد، وساهم بفاعلية في بناء المسيرة القرآنية وتثبيت دعائمها, وإن استشهاده لم يكن نهاية المطاف، بل كان بداية لخلود اسمه في سجلات الشرف، ووفاءً لدماء الشهداء التي روت أرض اليمن.
ختاما..
سيظل الشهيد عبدالله علي مصلح منارةً تهتدي بها الأجيال، ومثالًا يحتذى به في التمسك بالحق ومواجهة الباطل، وتأكيدًا على أن المسيرة القرآنية ماضية في طريقها بفضل تضحيات أمثاله من العظماء.