من صعدة إلى مأرب.. رحلة الشهيد أبو حيدر الحمزي مهندس الانتصارات وباني الرجال

من صعدة الشامخة مهد نشأته المباركة، إلى جبهات القتال الملتهبة في كتاف وأرحب ومأرب وشبوة، رسم الشهيد اللواء عبدالله أحسن الحمزي “أبو حيدر” بمسيرته الجهادية خارطة طريق للعزيمة والإصرار حتى الانتصار بوسام الشهادة والاصطفاء الإلهي، مقدماً نموذجاً فريداً لقائد مجاهد فذ جمع بين البسالة في الميدان والحكمة في القيادة ,والوعي في البصيرة والشجاعة في الإقدام’ يرويها التاريخ بأحرف من نور، لتلهم الأجيال القادمة معاني العزة والإباء لهوية إيمانية أصيلة تمسك بها جيل يدافع عن كرامته وأمته وشعب يرفض الانكسار.

يمانيون| محسن علي

نشأة قرآنية وتكوين قيادي

ولد الشهيد عبد الله أحسن الحمزي، المعروف بـ “أبو حيدر”، في منطقة الحمزات بمحافظة صعدة عام 1983، نشأ في بيئة محافظة، وتلقى دروساً مكثفة في علوم القرآن الكريم، هذه النشأة الدينية العميقة لم تكن مجرد خلفية ثقافية، بل كانت الأساس الذي بنى عليه شخصيته القيادية والفكرية، فقد غرست فيه ثقافة القرآن الكريم قيم الإيمان، الصبر، التضحية، والشجاعة، مما جعله مؤهلاً لقيادة الرجال في أصعب الظروف، فكان شغوفاً بحلقات القرآن وعلوم أهل البيت، ما عكس جانباً فكرياً عميقاً في شخصيته، يتجاوز مجرد الكفاءة العسكرية .

 

مسيرة جهادية حافلة بالبطولات

بدأت مسيرة أبو حيدر الحمزي الجهادية مبكراً، حيث شارك في الحرب السادسة عام 2009 في منطقة كتاف، أظهر خلال هذه الحرب مزايا قتالية عالية، وبرز كقائد عسكري واعد، بعد انتهاء الحرب السادسة، ظلت منطقة كتاف بؤرة توتر بسبب قربها من الحدود السعودية واستغلال العناصر التكفيرية لها، كلف أبو حيدر بإخماد هذه الفتن، وقام بتنظيم وقيادة المجاميع، وحسم معركة تطهير منطقة القطعة ببسالة وشجاعة، ما أكسبه خبرة ميدانية قيمة وصقل مهاراته القيادية .

لم تتوقف مسيرته عند كتاف وحسب، بل امتدت إلى أرحب التي كانت تعج بالمليشيات التكفيرية الوهابية، حاول في البداية حل النزاع عبر الوساطات لإقناعهم بفتح طريق صنعاء-عمران-صعدة، لكنه اضطر للجوء إلى الحل العسكري بعد فشل المفاوضات، بعد معركة عمران، لجأت العناصر التكفيرية إلى التصعيد في الجوف ومأرب، حيث تصدى لهم أبو حيدر مع أبناء القبائل في مديريتي الغيل ومجزر، وحسم المعركة بسرعة، وأبرم صلحاً مع القبائل بعد تأمين طريق صنعاء-الجوف-مأرب في 20 سبتمبر 2014 .

انتقل بعدها إلى صنعاء للمشاركة في معركة اقتحام الفرقة، ثم خاض أولى مواجهاته مع تنظيم القاعدة في المحافظات الجنوبية، بدءاً من شبوة في فبراير 2015، ومع بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، انتقل إلى مأرب، حيث خاض أقوى معاركه، محققاً انتصارات كبيرة، واستعاد مديرية صرواح بأكملها بما فيها من معسكرات في أيام قليلة، تكبد العدوان وجحافل المرتزقة في هذه المعارك خسائر فادحة .

 

قائد أركان حرب المنطقة العسكرية الثالثة

في مأرب، حيث قاد أصعب معاركه، أظهر أبو حيدر قدرة فائقة على التخطيط والتنفيذ، محققاً انتصارات كبيرة في وقت قياسي، مثل استعادة مديرية صرواح بأكملها، كان يرى الميدان كساحة لتطبيق الفكر القرآني في مواجهة العدو، وهذا ما منحه تفوقاً نوعياً ،وبفضل بطولاته وإنجازاته المتتالية التي وفقه الله لصنعها، أصبح أبو حيدر الحمزي القائد الأول في مأرب، بعد أن تقلد قيادة أركان حرب المنطقة العسكرية الثالثة، التي تشمل مأرب وشبوة، ورغم منصبه القيادي الرفيع، ظل مرتبطاً بالميدان، متفانياً في تنفيذ المهمات العسكرية بكل إخلاص وتفانٍ .

 

الجانب الإنساني والاجتماعي

لم تقتصر شخصية أبو حيدر الحمزي على الجانب العسكري الصارم، بل كان يتمتع بجانب إنساني واجتماعي عميق. وصفه رفاقه بأنه كان أخاً أكبر للجميع، يهتم بشؤونهم ويشاركهم همومهم، كان قريباً من جنوده، يتفقد أحوالهم، ويقدم لهم الدعم المعنوي، هذا القرب من الأفراد أكسبه محبة واحترام الجميع، وجعلهم يقاتلون تحت قيادته بروح معنوية عالية، كما كان له دور في إبرام الصلح مع القبائل بعد تأمين طريق صنعاء-الجوف-مأرب، مما يدل على حكمته وقدرته على التعامل مع مختلف الأطراف .

 

شهادات رفاقه والقادة

تحدث العديد من الخبراء والقادة العسكريين ورفاق الشهيد في وثائقي “صولة ذي الفقار” عن مناقبه وملاحمه، وأجمعوا على شجاعته، حكمته، وتفانيه في خدمة الوطن، ذكروا كيف كان مرتبطاً بالميدان رغم منصبه كأركان حرب المنطقة العسكرية الثالثة، وكيف كان مثالاً يحتذى به في التضحية والإخلاص، كما كشف الوثائقي عن مشاهد نادرة للشهيد في جبهات القتال، وحتى جوار قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، مما يؤكد مكانته الرفيعة .

 

الاستشهاد والإرث الخالد

استشهد اللواء عبد الله أحسن الحمزي “أبو حيدر” مطلع عام 2018، تاركاً وراءه إرثاً عظيماً من البطولات والتضحيات،وسجل اسمه في سجل الخالدين، كرمز للعزيمة والصمود في وجه العدوان.

وقد أنتج الإعلام الحربي فيلماً وثائقياً بعنوان “صولة ذي الفقار”، عرض جانباً من حياته ومسيرته الجهادية، وتضمن شهادات من خبراء وقادة عسكريين ورفاق الشهيد، تحدثوا عن مناقبه وملاحمه في جبهات مأرب والجوف ونهم وشبوة .

إرثه لا يقتصر على الانتصارات العسكرية، بل يمتد ليشمل القيم والمبادئ التي غرسها في نفوس رفاقه والأجيال القادمة، والتي تجسدت في شعره الذي كان يعبر عن حبه للجهاد والتضحية في سبيل الله حتى نال الفوز العظيم كقائد وقدوة عليا يحتذى به المؤمنين.

You might also like