ثبات محور المقاومة يُسقط رهانات العدو .. كيف تحولت أهداف العدوان إلى خيبة أمل استراتيجية وخسائر متراكمة؟

في الوقت الذي راهن فيه العدو وحلفاؤه على إمكانية فرض معادلات جديدة في المنطقة عبر الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، تكشف التطورات المتسارعة أن العديد من تلك الرهانات اصطدمت بجدار الصمود والثبات الذي أظهرته قوى محور المقاومة، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية في إيران، الأمر الذي أدى إلى فشل جملة من الأهداف المعلنة وغير المعلنة، وتحول كثير من المكاسب المتوقعة إلى أعباء وخسائر استراتيجية متزايدة،  لقد كانت الحسابات الأولية للعدو تقوم على فرضية مفادها أن تصعيد الضغوط سيؤدي إلى تفكك جبهة المقاومة وإضعاف إرادتها السياسية والعسكرية، غير أن الواقع الميداني أثبت العكس تماماً، حيث أظهرت قوى المقاومة قدرة عالية على التكيف والاستمرار وإدارة المواجهة ضمن رؤية استراتيجية طويلة النفس، الأمر الذي أسقط رهانات الإرباك والتفكيك وأفشل محاولات فرض الاستسلام أو التراجع.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

تماسك محور المقاومة وإفشال استراتيجية العزل

من أبرز عوامل خيبة الأمل التي واجهها العدو فشل سياسة العزل والاستفراد، فبدلاً من تفكيك محور المقاومة، أدت الضغوط المتصاعدة إلى تعزيز مستوى التنسيق والتكامل بين مكوناته المختلفة،  وأثبتت الأحداث أن العلاقات بين أطراف المحور لم تعد مجرد علاقات سياسية تقليدية، بل تحولت إلى منظومة مترابطة تتشارك الرؤية والمصالح والتقديرات الاستراتيجية، وهو ما جعل أي استهداف لطرف من أطرافها ينعكس على كامل المحور ويؤدي إلى ردود فعل متشابكة يصعب احتواؤها، هذا التماسك أوجد معادلة ردع جديدة أربكت حسابات الخصوم وأفقدتهم القدرة على التحكم بمسار التصعيد ونتائجه.

فشل الرهان على إنهاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية

شكلت الجمهورية الإسلامية في إيران الهدف المركزي للعديد من الضغوط والرهانات المعادية، حيث تصور البعض أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والإعلامية المتراكمة ستؤدي إلى إضعاف دورها الإقليمي أو الحد من قدراتها الاستراتيجية،  إلا أن التطورات أظهرت استمرار إيران في المحافظة على قدراتها الدفاعية والعسكرية والتكنولوجية، بل وتطوير العديد من منظوماتها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الردع الإقليمي وأكد فشل محاولات كسر الإرادة السياسية الإيرانية،  كما أثبتت طهران قدرتها على إدارة المواجهة ضمن مبدأ الصبر الاستراتيجي، مع الاحتفاظ بخيارات الرد المناسبة في التوقيت والمكان اللذين يخدمان مصالحها العليا، وهو ما أوقع الخصوم في حالة استنزاف سياسي وأمني مستمر.

مضيق هرمز وتحول الورقة الاقتصادية إلى مصدر قلق عالمي

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية،  وقد أدركت القوى المعادية أن أي اضطراب واسع في هذا الممر الحيوي يحمل تداعيات تتجاوز حدود المنطقة ليصل أثره إلى الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد العالمية،  ومن هنا برزت إحدى أهم خيبات الأمل لدى الخصوم، حيث تحولت الضغوط التي كان يُراد منها إضعاف محور المقاومة إلى عامل يزيد من المخاوف الاقتصادية العالمية ويهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية،  وقد أظهرت التطورات أن أي تهديد لأمن الملاحة أو تدفق الطاقة ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والتأمين والشحن البحري، ما يجعل تكلفة المواجهة أكبر بكثير من المكاسب التي سعى العدو لتحقيقها.

الضربات الدقيقة وكسر صورة التفوق المطلق

من أهم الدلالات الاستراتيجية التي برزت خلال المواجهات الأخيرة سقوط صورة التفوق المطلق التي حاول العدو ترسيخها لعقود طويلة، فقد أثبتت العمليات والضربات التي استهدفت مواقع ومنشآت حساسة أن القدرات الدفاعية والهجومية لدى قوى المقاومة تطورت بصورة لافتة، وأن العمق الاستراتيجي للخصوم لم يعد بمنأى عن الاستهداف،  كما كشفت هذه التطورات عن ثغرات أمنية واستخباراتية وعسكرية شكلت صدمة للرأي العام داخل الكيان المعادي وأثارت تساؤلات واسعة حول فعالية المنظومات الدفاعية التي طالما جرى الترويج لها باعتبارها قادرة على منع الاختراقات والهجمات النوعية، لقد مثلت هذه الضربات تحولاً مهماً في ميزان الردع، إذ لم تعد المعركة محصورة في الأطراف أو الجبهات التقليدية، بل أصبحت قادرة على الوصول إلى أهداف حساسة ومؤثرة في الحسابات الاستراتيجية للعدو.

أزمة الثقة داخل معسكر العدو

من النتائج غير المباشرة للمواجهة تزايد الشكوك داخل معسكر العدو نفسه بشأن جدوى السياسات المتبعة، فمع استمرار التكاليف العسكرية والاقتصادية والأمنية، بدأت تبرز تساؤلات حول حجم المكاسب الحقيقية التي تحققت مقارنة بالخسائر المتراكمة،  وتعززت هذه الشكوك مع فشل تحقيق الأهداف المعلنة خلال الفترات الزمنية المحددة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني،  كما أن استمرار قدرة محور المقاومة على الصمود والمبادرة أسهم في تراجع الثقة بفرضيات الحسم السريع التي بُنيت عليها العديد من الخطط والتقديرات.

دلالات استراتيجية تتجاوز حدود المواجهة الحالية

تكشف المعطيات الراهنة عن مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها فشل استراتيجية كسر الإرادة لدى قوى المقاومة، وصعود معادلات ردع جديدة أكثر تعقيداً وتأثيراً، وتراجع فعالية الضغوط التقليدية في تحقيق الأهداف السياسية، واتساع دائرة المخاطر الاقتصادية المترتبة على استمرار التصعيد، وتآكل صورة التفوق المطلق التي سعى العدو إلى ترسيخها، وانتقال محور المقاومة من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة في العديد من الملفات.

ختاما ..

تشير مجمل التطورات إلى أن أحد أبرز مظاهر الفشل الاستراتيجي للعدو يتمثل في اتساع الفجوة بين الأهداف التي سعى لتحقيقها والنتائج التي تحققت على أرض الواقع، فبدلاً من إضعاف محور المقاومة، أظهرت الأحداث تماسكاً أكبر بين مكوناته، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية في إيران، كما كشفت عن قدرة متنامية على فرض معادلات ردع جديدة وإلحاق خسائر مؤثرة بالخصوم، ومع استمرار هذه المعادلات، تبدو المنطقة أمام مرحلة تتراجع فيها رهانات الإخضاع والهيمنة، مقابل صعود واقع جديد تزداد فيه أهمية الثبات الاستراتيجي والقدرة على الصمود بوصفهما عاملين حاسمين في رسم ملامح التوازنات الإقليمية المستقبلية.

You might also like