“وحدة الساحات” في صنعاء.. تجسيد عملي لتكامل محور المقاومة ورسالة سياسية تتجاوز الحدود

شهد ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء أمسية ثقافية جماهيرية حاشدة لمناهضة العدوان على المنطقة، في فعالية استثنائية حملت شعار “وحدة الساحات”، وجرى نقلها على الهواء مباشرة بشكل متزامن بين دول محور المقاومة: اليمن، فلسطين، لبنان، العراق، وإيران، في مشهد عكس مستوى متقدماً من التنسيق والتكامل السياسي والإعلامي والثقافي بين قوى المقاومة في المنطقة، ولم تكن هذه الأمسية مجرد فعالية جماهيرية اعتيادية، بل مثلت حدثاً يحمل أبعاداً استراتيجية ودلالات سياسية وفكرية عميقة، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية الراهنة والتحديات التي تواجه شعوب المنطقة جراء العدوان والحصار والحروب التي تستهدف قوى المقاومة ومواقفها المناهضة للمشاريع الأمريكية والصهيونية.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من شعار إلى واقع.. تجسيد مفهوم “وحدة الساحات”

برز خلال السنوات الأخيرة مصطلح “وحدة الساحات” باعتباره أحد أهم المفاهيم السياسية والعسكرية التي تبنتها قوى المقاومة في المنطقة، غير أن الأمسية المشتركة في صنعاء قدمت نموذجاً عملياً لترجمة هذا المفهوم من إطار نظري إلى واقع ملموس، فالبث المباشر المتزامن بين عدة عواصم ومحاور مقاومة أكد أن المعركة لم تعد محصورة في حدود جغرافية ضيقة، بل أصبحت قضية مشتركة تتقاطع فيها المصالح والمواقف والتحديات، وأن أي استهداف لطرف من أطراف المقاومة يُنظر إليه باعتباره استهدافاً للجميع، وتعكس هذه الفعالية مستوى متقدماً من الوعي بأهمية توحيد الخطاب والرسالة والموقف، بما يعزز من قدرة شعوب المنطقة على مواجهة التحديات المشتركة والتصدي لمحاولات التفكيك والعزل التي تسعى إليها القوى المعادية.

صنعاء مركز متقدم في معادلة المقاومة الإقليمية

اختيار ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء ليكون إحدى ساحات هذه الفعالية المشتركة يحمل دلالات تتجاوز البعد التنظيمي، ويؤكد المكانة المتنامية التي باتت تحتلها اليمن في معادلة المقاومة الإقليمية، فبعد سنوات من الصمود في مواجهة العدوان والحصار، استطاعت صنعاء أن تفرض حضورها كطرف مؤثر في القضايا الإقليمية الكبرى، وأن تتحول من ساحة مستهدفة إلى فاعل يمتلك تأثيراً سياسياً وإعلامياً وعسكرياً في مجريات الأحداث، كما يعكس الحضور الجماهيري الواسع في الأمسية حجم التفاعل الشعبي اليمني مع قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ويؤكد استمرار ارتباط الموقف الرسمي والشعبي اليمني بقضايا التحرر ومواجهة الهيمنة الخارجية.

رسالة تضامن مع فلسطين في قلب المواجهة

جاءت الأمسية في توقيت تشهد فيه فلسطين تصعيداً مستمراً للعدوان الإسرائيلي، الأمر الذي منح الفعالية بعداً تضامنياً واضحاً مع الشعب الفلسطيني ومقاومته، فالمشاركة الفلسطينية في البث المشترك أكدت أن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل محور الالتقاء المركزي لقوى المقاومة، وأن الدعم الشعبي والسياسي والإعلامي لفلسطين يتجاوز حدود البيانات والمواقف التقليدية إلى بناء حالة تضامن مستمرة ومتجددة، كما حملت الفعالية رسالة واضحة مفادها أن فلسطين ليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، وإنما قضية أمة ومشروع تحرر جامع تتوحد حوله الشعوب الحرة في المنطقة.

حرب الوعي في مواجهة الحرب العسكرية

من أبرز ما ميز هذه الأمسية أنها اعتمدت على الأدوات الثقافية والإعلامية والجماهيرية في التعبير عن الموقف السياسي، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية معركة الوعي في الصراع الدائر بالمنطقة، فإلى جانب المواجهات العسكرية والسياسية، تخوض شعوب المنطقة مواجهة مفتوحة في المجال الإعلامي والثقافي، حيث تسعى القوى المعادية إلى تشويه الحقائق وإضعاف الهوية وتفكيك الروابط الجامعة بين شعوب الأمة، ومن هنا يمكن النظر إلى الأمسية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز الوعي الشعبي وترسيخ الهوية المشتركة وبناء رأي عام داعم لقضايا المقاومة والاستقلال والسيادة.

دلالات البث المشترك وتكامل الجبهة الإعلامية

أحد أهم أبعاد الفعالية تمثل في البث المباشر المشترك بين عدة دول وساحات مقاومة، وهو ما يعكس تطوراً ملحوظاً في مستوى التنسيق الإعلامي بين أطراف المحور، ففي عصر الإعلام الرقمي لم تعد المعركة تدار فقط في الميدان، بل أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل ساحة مركزية للصراع على الرواية والتأثير وكسب الرأي العام، ومن خلال هذا البث الموحد، نجحت دول محور المقاومة في إيصال رسالة موحدة إلى جماهيرها وإلى العالم، مفادها أن هناك رؤية مشتركة وموقفاً موحداً تجاه القضايا المصيرية التي تواجه المنطقة.

 

فشل رهانات التفكيك والعزل

تحمل الأمسية أيضاً دلالة سياسية مهمة تتمثل في إظهار تماسك محور المقاومة رغم سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات والحروب،  فالقوى المعادية راهنت خلال العقود الماضية على تفكيك هذا المحور وعزل مكوناته عن بعضها البعض، غير أن المشهد الذي ظهر من خلال فعالية “وحدة الساحات” عكس اتجاهاً معاكساً يتمثل في تعميق التعاون وتعزيز التنسيق وتوسيع مساحات العمل المشترك، كما تؤكد الفعالية أن الروابط بين شعوب وقوى المقاومة لم تعد مجرد تحالفات ظرفية مرتبطة بظروف سياسية مؤقتة، بل أصبحت تمثل رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على المصالح المشتركة والتحديات المشتركة والمصير المشترك.

قراءة مستقبلية

تشير المؤشرات إلى أن فعاليات “وحدة الساحات” قد تتحول مستقبلاً إلى نموذج متكرر للعمل المشترك بين شعوب ودول وقوى المقاومة، سواء على المستوى الثقافي أو الإعلامي أو الجماهيري، كما أن نجاح هذه التجربة يعزز فرص توسيع نطاق التنسيق بين مختلف الساحات، ويؤسس لمرحلة جديدة من التكامل في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

ختاما ..

مثلت أمسية “وحدة الساحات” التي احتضنها ميدان السبعين بصنعاء أكثر من مجرد فعالية ثقافية جماهيرية؛ فقد جاءت كتعبير سياسي وإعلامي وشعبي عن حالة من التماسك والتكامل بين دول وقوى محور المقاومة، ورسالة تؤكد أن شعوب المنطقة قادرة على توحيد مواقفها في مواجهة التحديات المشتركة، وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبدو هذه الفعالية مؤشراً على تنامي حضور خطاب الوحدة والتكامل بين ساحات المقاومة، بما يعزز من قدرتها على التأثير في معادلات الصراع الإقليمي ومستقبل المنطقة.

You might also like