على عتبات عام هجري جديد .. انتصار كربلائي جديد
مع إطلالة العام الهجري الجديد وحلول شهر محرّم الحرام، تتجدد في وجدان الأمة الإسلامية محطتان تاريخيتان عظيمتان شكّلتا منعطفين مفصليين في مسيرة الإسلام والإنسانية: ذكرى الهجرة النبوية المباركة، وذكرى عاشوراء الخالدة، وبين هاتين المناسبتين تتجلى معاني التضحية والثبات والإرادة التي صنعت التحولات الكبرى في التاريخ، ورسخت معادلة انتصار الحق على الباطل مهما بلغت قوة الطغيان وجبروت المستكبرين، وفي الوقت الذي تعيش فيه الأمة العربية والإسلامية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً، تتعاظم الحاجة إلى استحضار الدروس العظيمة التي قدمها رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الهجرة النبوية، وما جسده الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء من موقف تاريخي خالد أصبح رمزاً عالمياً للحرية والكرامة ورفض الظلم.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الهجرة النبوية.. مشروع بناء الأمة
لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً أسس لقيام الدولة الإسلامية الأولى، ورسّخ منظومة قيمية وأخلاقية وإنسانية ما زالت تمثل المرجعية الأساسية للأمة، ففي المدينة المنورة أرسى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قواعد العدل والمساواة والتكافل الاجتماعي، ووضع أسس الوحدة بين المسلمين، وأقام نموذجاً سياسياً واجتماعياً يقوم على احترام الإنسان وصيانة حقوقه ومواجهة الظلم والانحراف، ومن هنا تبرز دلالة الهجرة في واقع الأمة المعاصر باعتبارها دعوة متجددة للانتقال من حالة الضعف والتبعية إلى حالة القوة والاستقلال، ومن واقع التشرذم والانقسام إلى واقع الوحدة والتكامل، ومن الاستسلام للهيمنة الخارجية إلى امتلاك إرادة القرار والسيادة.
كربلاء.. انتصار الدم على السيف
وعلى مقربة من ذكرى الهجرة، تحل عاشوراء حاملة معها واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ، حيث جسد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه أسمى معاني التضحية والفداء في مواجهة الظلم والاستبداد، لقد أثبتت كربلاء أن موازين القوة المادية ليست العامل الحاسم في صناعة التاريخ، وأن الإرادة المؤمنة بالقضية العادلة قادرة على تحقيق الانتصار المعنوي والاستراتيجي حتى في أصعب الظروف، ففي العاشر من محرّم لم يكن الإمام الحسين عليه السلام يخوض معركة من أجل سلطة أو مكسب دنيوي، وإنما كان يدافع عن قيم الإسلام الأصيلة وعن حق الأمة في مواجهة الانحراف والطغيان، ولذلك تحولت كربلاء إلى مدرسة خالدة تستمد منها الشعوب الحرة معاني الصمود والثبات والكرامة، ومن رحم تلك الملحمة وُلدت المعادلة التاريخية التي ما زالت تلهم الأحرار في كل زمان ومكان: “انتصار الدم على السيف”، وهي معادلة أثبتت صحتها مراراً عبر التاريخ عندما سقط الطغاة وبقيت المبادئ التي ضحى من أجلها المصلحون والثوار.
كربلاء الحاضر.. حين تتجدد الروح الحسينية
إن المتأمل في واقع المنطقة اليوم يجد أن الروح الكربلائية ما زالت حاضرة بقوة في ميادين المواجهة ضد الاحتلال والهيمنة والعدوان، حيث تستلهم قوى المقاومة من مدرسة الإمام الحسين عليه السلام قيم التضحية والثبات والاستعداد لبذل الغالي والنفيس دفاعاً عن الدين والأرض والكرامة،
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والعقيدة والوعي بقضيتها قادرة على الصمود أمام أعتى القوى العسكرية وأكثرها تسليحاً، وأن التفوق المادي لا يكفي لحسم الصراعات عندما يواجه إرادة مؤمنة بحقها وعدالة قضيتها، ومن هذا المنطلق يقرأ كثيرون ما تشهده ساحات المواجهة في فلسطين والمنطقة باعتباره امتداداً معاصراً للصراع التاريخي بين الحق والباطل، حيث تتجدد معاني كربلاء في صور الصمود الأسطوري والتضحيات الجسيمة التي يقدمها المقاومون والشعوب الحرة دفاعاً عن مقدساتها وحقوقها المشروعة.
فلسطين.. عنوان المظلومية والصمود
وفي ظل ما تتعرض له فلسطين من عدوان وحصار وجرائم مستمرة، تبرز عاشوراء باعتبارها مناسبة لاستحضار قيم نصرة المظلوم ومواجهة الظالم وعدم القبول بالاستسلام للأمر الواقع،
فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد قضية وطنية تخص شعباً بعينه، بل أصبحت عنواناً مركزياً لمعركة العدالة والحرية والكرامة في المنطقة، وتجسيداً لمعاناة شعب يواجه الاحتلال منذ عقود ويتمسك بحقوقه رغم حجم التضحيات والآلام، ومن هنا تتجدد الدعوة إلى استلهام الدروس الحسينية في الثبات على الموقف، وعدم التخلي عن المبادئ مهما بلغت التحديات، والإيمان بأن إرادة الشعوب قادرة في النهاية على فرض معادلات جديدة وتغيير موازين القوى.
دلالات التزامن بين الهجرة وعاشوراء
يحمل تزامن مطلع العام الهجري الجديد مع أيام عاشوراء دلالات عميقة تتجاوز البعد التاريخي إلى أبعاد فكرية وحضارية وسياسية واسعة، فالهجرة تمثل مرحلة البناء والتأسيس وصناعة المشروع الحضاري للأمة، بينما تمثل كربلاء مرحلة حماية هذا المشروع والدفاع عن قيمه ومبادئه في مواجهة الانحراف والطغيان،
وإذا كانت الهجرة قد علمت المسلمين كيف يبنون الدولة والمجتمع، فإن عاشوراء علمتهم كيف يحافظون على المبادئ عندما تتعرض للخطر، وكيف يقدمون التضحيات من أجل بقاء الحق حياً في وجدان الأمة، وهكذا تتكامل الرسالتان في صياغة وعي إسلامي أصيل يقوم على الجمع بين البناء والجهاد، وبين العمل والتضحية، وبين السعي لإقامة العدل والاستعداد للدفاع عنه.
عام هجري جديد .. ومسؤولية متجددة
إن استقبال عام هجري جديد لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة زمنية عابرة، بل محطة للتأمل والمراجعة واستحضار المسؤوليات الملقاة على عاتق الأمة في مواجهة التحديات الراهنة، فما أحوج المسلمين اليوم إلى استعادة روح الهجرة في بناء مشروع نهضوي مستقل، وإلى استحضار روح عاشوراء في الثبات على الحق ومواجهة الظلم، وإلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسبطه الإمام الحسين عليه السلام في الصبر والتحمل والتضحية من أجل القيم والمبادئ العظيمة، وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، تبقى الرسالة الخالدة للهجرة وكربلاء واضحة وحاضرة، أن الأمم التي تتمسك بمبادئها وتستعد للتضحية من أجلها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها وتحقيق النصر مهما بلغت التحديات، وعلى عتبات عام هجري جديد، تتجدد الآمال بأن يكون هذا العام عام ثبات وعزة وانتصار، تستلهم فيه الأمة من الهجرة وعاشوراء معاني البناء والصمود، وتواصل مسيرتها في مواجهة الظلم والدفاع عن الحقوق والمقدسات حتى يتحقق وعد الله بنصرة المستضعفين وإعلاء كلمة الحق.