والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت .. قراءة تحليلية في أبعاد ودلالات مفهوم الولاية في كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي
جاء حديث السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله بمناسبة يوم الولاية ليقدم معالجة فكرية وعقدية عميقة لمفهوم الولاية في القرآن الكريم، ويكشف في الوقت ذاته حجم التشويه الذي تعرّض له هذا المفهوم عبر التاريخ الإسلامي، وقد ركزت الكلمة على إعادة تقديم الولاية باعتبارها قضية قرآنية مركزية تتصل بهوية الأمة وكرامتها وحريتها واستقلالها، لا باعتبارها مجرد عنوان مذهبي أو موضوع جدلي كما يحاول البعض تصويره.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الولاية بوصفها تكريماً إلهياً للإنسان المؤمن
أبرز ما ركزت عليه الكلمة هو تصحيح النظرة إلى مفهوم ولاية الله، حيث قدّم السيد القائد الولاية باعتبارها تشريفاً إلهياً عظيماً للإنسان المؤمن، فالآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ لا تحمل أي معنى للانتقاص أو التقييد، بل تعبّر عن أسمى درجات التكريم والاحتضان الإلهي للإنسان، ومن خلال هذا الطرح، يعيد الخطاب نقل النقاش من دائرة الجدل السياسي أو التاريخي إلى دائرة العلاقة بين الإنسان وربه، حيث تصبح الولاية امتداداً لمشروع التكريم الإلهي الذي أعلنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. فالله الذي كرّم الإنسان وجعله خليفة في الأرض لا يمكن أن تكون ولايته له إلا مصدر عزّة ورفعة وكرامة، وتكشف هذه الرؤية عن بُعد مهم يتمثل في أن الولاية ليست علاقة تسلط أو هيمنة، وإنما علاقة هداية ورعاية ورحمة تنطلق من الحكمة الإلهية والكمال المطلق.
البعد التحرري في مفهوم الولاية
من أهم الدلالات التي ركز عليها السيد القائد أن ولاية الله ليست مجرد انتماء عقدي، بل مشروع تحرر شامل للإنسان من كل أشكال العبودية والطغيان، فالإنسان في الرؤية القرآنية لا يمكن أن يبقى بلا ولاية؛ فإما أن تكون ولايته لله وإما أن يقع تحت ولاية الطاغوت، ومن هنا يتضح الارتباط الوثيق بين عنوان الكلمة: “والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت” وبين الحديث عن ولاية الله، ويبرز الخطاب أن جوهر الصراع الحضاري والإنساني عبر التاريخ يتمثل في الصراع بين هذين المسارين، مسار الارتباط بالله والاهتداء بهديه، ومسار الخضوع للطغاة والمستكبرين وقوى الهيمنة، وعلى هذا الأساس تصبح الولاية قضية حرية واستقلال قبل أن تكون قضية انتماء ديني فحسب، لأن الإنسان عندما يتحرر من ولاية الطاغوت يتحرر من التبعية الفكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي تفرضها قوى الاستكبار على الشعوب والأمم.
الولاية ومفهوم العزة الحضارية
تتضمن الكلمة بعداً حضارياً واضحاً من خلال الربط بين ولاية الله والعزة التي وعد الله بها المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويشير هذا الطرح إلى أن أزمة الأمة الإسلامية في كثير من جوانبها ليست أزمة إمكانات أو قدرات، وإنما أزمة انقطاع عن مصادر العزة الحقيقية. فحين تتجه الأمة نحو غير الله طلباً للحماية أو القوة أو النفوذ فإنها تفقد عناصر قوتها الذاتية، بينما يمنحها الارتباط بالله ثقة بالنفس واستقلالية في القرار وقدرة على مواجهة التحديات، ومن هذا المنطلق، يقدم السيد القائد الولاية باعتبارها أساساً لبناء أمة قوية ومقتدرة تمتلك إرادتها الحرة ولا تخضع للإملاءات الخارجية.
مواجهة التشويه التاريخي لمفهوم الولاية
من أبرز المحاور التي تناولتها الكلمة الإشارة إلى حجم الحملات التي استهدفت مفهوم الولاية عبر التاريخ، حيث أكد السيد القائد أن هذا المفهوم تعرّض لما لم يتعرض له غيره من مفاهيم الإسلام من حملات التشويه والتحريف والصد، وتحمل هذه الإشارة عدة دلالات مهمة، أن الولاية ليست قضية هامشية، لأن حجم الاستهداف عادة ما يعكس حجم الأهمية والتأثير، وأن القوى المعادية للأمة أدركت ما يحمله هذا المفهوم من قدرة على صناعة أمة مستقلة وواعية ومتحررة، لذلك سعت إلى تشويهه وإثارة الحساسية تجاهه، وأن الكثير من المواقف السلبية تجاه مفهوم الولاية ليست ناتجة عن فهم حقيقي لمضمونه القرآني، بل عن تراكمات دعائية وثقافية صنعت حالة من النفور المسبق تجاه المصطلح نفسه، ويظهر هنا البعد النقدي في الخطاب، حيث يدعو إلى إعادة النظر في المفاهيم الإسلامية من خلال القرآن الكريم لا من خلال الصور الذهنية المشوهة التي صنعتها الدعاية المعادية.
الولاية في سياق الرحمة الإلهية
توقف السيد القائد عند صفات الله سبحانه وتعالى باعتبارها المدخل الصحيح لفهم معنى الولاية. فالله هو الرحمن الرحيم، وهو أرحم الراحمين، وكل أوامره وتشريعاته وتعاليمه تنطلق من رحمته بعباده، وتحمل هذه الإشارة رسالة فكرية مهمة مفادها أن ولاية الله لا يمكن أن تُفهم باعتبارها عبئاً على الإنسان أو تقييداً لحريته، بل هي إطار يحفظ مصالحه ويقوده نحو الخير في الدنيا والآخرة، فالولاية هنا ليست علاقة قسرية، وإنما علاقة قائمة على الرحمة والهداية والرعاية الإلهية، وهو ما يجعلها مصدر أمن نفسي وروحي وحضاري للإنسان.
إسقاطات واقعية ومعاصرة
لم يقتصر مضمون الكلمة على الجانب العقدي النظري، بل حمل أبعاداً واقعية واضحة ترتبط بواقع الأمة الإسلامية اليوم. فالحديث عن ولاية الله في مقابل ولاية الطاغوت يلامس قضايا الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية ومواجهة الهيمنة الأجنبية، وفي هذا السياق، يمكن فهم الرسالة المركزية للكلمة باعتبارها دعوة للأمة إلى مراجعة مصادر ولائها واتجاهاتها الكبرى، وإلى التحرر من كل أشكال الارتهان للقوى التي تسعى إلى التحكم بمصيرها وقرارها، ومن هنا تتحول الولاية من مفهوم عقائدي مجرد إلى مشروع نهضوي يهدف إلى بناء إنسان حر، ومجتمع قوي، وأمة مستقلة تمتلك قرارها وتستند إلى قيمها وهويتها القرآنية.
.ختاما ..
تكشف كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله أن مفهوم الولاية في القرآن الكريم ليس مجرد عنوان ديني أو مناسبة احتفالية، بل يمثل منظومة متكاملة تقوم على التكريم الإلهي للإنسان، والتحرر من الطاغوت، وبناء العزة والاستقلال، وترسيخ الارتباط بالله باعتباره مصدر الهداية والقوة والكرامة، ومن خلال استحضار الآيات القرآنية وربطها بواقع الأمة، قدمت الكلمة قراءة تؤكد أن معركة الوعي اليوم تتمثل في استعادة المفاهيم القرآنية الأصيلة من التشويه، وإدراك أن ولاية الله ليست عبئاً على الإنسان، بل هي الضمانة الكبرى لحريته وكرامته وعزته في الدنيا والآخرة.