على رأسهم العلماء.. أبناء القبائل اليمنية يتسابقون نحو العزة والكرامة وحسم الموقف
في توقيت بالغ الحساسية، شهدت المحافظات والمديريات اليمنية موجة واسعة من الوقفات القبلية والشعبية والعلمائية التي امتدت من الحديدة غرباً إلى صعدة شمالاً، ومن الضالع وتعز جنوباً إلى حجة وصنعاء وذمار وإب والبيضاء وريمة، في مشهد اتسم بالتزامن الجغرافي والزمني، وبحضور كثيف للقبيلة والعلماء والوجاهات الاجتماعية، الأمر الذي يمنح هذه الفعاليات أبعاداً تتجاوز بعدها التعبوي المباشر إلى دلالات استراتيجية وسياسية واجتماعية عميقة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الانتقال من التعبئة الرمزية إلى الجهوزية المجتمعية الشاملة
تكشف هذه الوقفات عن انتقال المجتمع اليمني من مرحلة التعبير السياسي والتضامن المعنوي إلى مرحلة أكثر تقدماً تتمثل في بناء حالة “الجاهزية المجتمعية الشاملة”، ففي التجارب التاريخية، تمثل القبيلة والعلماء والمؤسسات الاجتماعية البنية التحتية لأي تحرك وطني واسع، وحين تدخل هذه المكونات في حالة استنفار متزامن فإن ذلك يعكس وجود بيئة داخلية مهيأة لتحمل تبعات أي تحولات أو خيارات كبرى، وعلى خلاف التعبئة التقليدية التي تقتصر على المؤسسات العسكرية أو الأمنية، فإن الجهوزية المجتمعية تعني أن المجتمع بأكمله يتحول إلى عنصر فاعل في معادلة الصمود والاستجابة، وهو ما تعكسه المشاركة الواسعة للقبائل والعلماء والوجهاء والشخصيات الاجتماعية في مختلف المحافظات.
العلماء في الصدارة.. انتقال المعركة إلى بعدها القيمي والأخلاقي
شكلت وقفة علماء الحديدة محطة فارقة في المشهد العام، ليس فقط بسبب رمزية العلماء، بل لأن تصدرهم للموقف يحمل رسائل استراتيجية متعددة، فعندما يتقدم العلماء الصفوف في القضايا المصيرية، فإن ذلك يشير إلى انتقال القضية من بعدها السياسي والعسكري إلى بعدها الأخلاقي والقيمي والديني، بما يمنحها زخماً اجتماعياً أوسع وقدرة أكبر على تعبئة الرأي العام، كما أن وقفة العلماء تؤدي عدة وظائف استراتيجية ، إضفاء البعد الأخلاقي والشرعي على الموقف الوطني، وتعزيز وحدة الجبهة الداخلية، وتحصين المجتمع من حملات الحرب النفسية والإعلامية، وتوحيد الخطاب المجتمعي حول الأولويات الوطنية، وكذا تحويل القضية من قضية نخبوية أو سياسية إلى قضية شعبية عامة، ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يتصدر العلماء المشهد، بل لأن حضورهم يمثل رسالة بأن المؤسسات الاجتماعية التقليدية في اليمن ما تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير والتعبئة والتوجيه.
القبيلة اليمنية تستعيد دورها التاريخي كفاعل استراتيجي
أثبتت الوقفات الأخيرة أن القبيلة اليمنية لا تزال تمثل أحد أهم الفواعل الاستراتيجية في المعادلة اليمنية، فخلافاً للصورة النمطية التي يحاول البعض ان يختزل القبيلة في بعدها الاجتماعي أو الأمني، أثبتت التجربة اليمنية أن القبيلة تقوم بأدوار متعددة تشمل، الحشد والتعبئة المجتمعية،
وحماية التماسك الاجتماعي، وإدارة الأزمات المحلية، وتوفير شبكات الإسناد المجتمعي، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وقد أظهرت الوقفات في جبن ومقبنة والدريهمي والصفراء وشدا والظاهر وبلاد الروس وعتمة وحزم العدين ونجرة وبلاد الطعام وغيرها أن القبيلة لا تزال تمتلك قدرة تنظيمية عالية رغم سنوات الحرب والحصار.
الجغرافيا تتحدث بلغة واحدة
أحد أهم المؤشرات الاستراتيجية في هذه الوقفات هو اتساع رقعتها الجغرافية بصورة لافتة، فالمديريات المشاركة من كل المحافظات تمثل مناطق ساحلية، ومناطق حدودية، ومناطق جبلية، ومناطق زراعية، ومناطق حضرية وشبه حضرية، وهذا التنوع الجغرافي يعني أن الرسالة لم تعد محصورة في بيئة اجتماعية أو مناطقية محددة، وإنما أصبحت تعبيراً عن مزاج وطني واسع، كما أن التزامن الزمني للفعاليات يمنحها بعداً إضافياً يتمثل في وحدة الاتجاه والهدف، وهو ما يمثل مؤشراً مهماً في دراسات التماسك الوطني أثناء الأزمات الممتدة.
الرسائل الموجهة إلى الخارج
تحمل هذه الوقفات مجموعة من الرسائل الاستراتيجية إلى الأطراف الإقليمية والدولية، الرسالة الأولى تتمثل في أن سنوات العدوان والحصار لم تؤد إلى تفكيك البنية الاجتماعية اليمنية أو إضعاف قدرتها على الحشد، كما تؤشر المشاركة الواسعة إلى استمرار وجود قدرة مجتمعية على التكيف مع الضغوط والتحديات الممتدة، كما تعكس الوقفات أن الضغوط الاقتصادية والسياسية لم تؤد إلى انهيار الجبهة الداخلية أو تفككها. وان القبيلة اليمنية ما تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير في مسارات الأحداث الكبرى وعلى إعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية والسياسية.
الحرب النفسية المضادة
في العلوم الاستراتيجية، تمثل الحشود الشعبية الواسعة أحد أدوات “القوة المعنوية” أو “الردع النفسي”، فالصور القادمة من المديريات اليمنية، والتي أظهرت امتداد السلاسل البشرية والاصطفافات القبلية لمسافات طويلة، لا تستهدف الداخل فقط، بل تشكل جزءاً من معركة الإدراك والرسائل النفسية، وتقدم هذه المشاهد عدة مضامين، منها وجود احتياط اجتماعي واسع، واستمرار الجاهزية المعنوية.
ارتفاع مستوى التعبئة الوطنية، وصعوبة الرهان على التفكك الداخلي.
دلالات المشهد البصري للوقفات
اللافت في الفعاليات الأخيرة أنها اتخذت أشكالاً بصرية ذات دلالات عميقة، السلاسل البشرية الطويلة، والاصطفافات القبلية الممتدة، والانتشار الجغرافي المتزامن، وحضور العلماء والوجاهات الاجتماعية، واستخدام الشعارات الموحدة، هذه العناصر تشكل ما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ”الرمزية الجمعية”، أي إنتاج صورة بصرية موحدة تعكس تماسك الجماعة وقدرتها على التعبئة السريعة.
إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع
تكشف الوقفات أيضاً عن نموذج خاص للعلاقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي في اليمن، يقوم على مفهوم “الشراكة التعبوية” وليس فقط العلاقة الإدارية التقليدية، فالقبيلة والعلماء والسلطات المحلية والمؤسسات الاجتماعية المختلفة ظهرت كجزء من منظومة واحدة تتحرك في اتجاه موحد، وهو ما يمنح المجتمع قدرة أعلى على الاستجابة للأزمات الممتدة.
ماذا تعني هذه الوقفات استراتيجياً؟
وفق القراءة الاستراتيجية، فإن هذه الوقفات تعكس تحولات رئيسية تبدأ بارتفاع مستوى التماسك الاجتماعي، وتوسع نطاق التعبئة الشعبية، ودخول المؤسسات الاجتماعية التقليدية في حالة استنفار متزامنة، وكذا تعزيز أدوات الردع المعنوي والنفسي، والاستعداد لمرحلة جديدة من الخيارات والسيناريوهات المحتملة.
ختاما ..
لا يمكن قراءة الوقفات القبلية والشعبية والعلمائية الأخيرة باعتبارها مجرد فعاليات جماهيرية عابرة، بل باعتبارها مؤشراً على تحولات أعمق داخل المجتمع اليمني تتعلق بدرجة التماسك الداخلي، وقدرة البنى الاجتماعية التقليدية على الحشد، واستمرار حضور القبيلة والعلماء بوصفهما مؤسستين محوريتين في تشكيل الوعي الجمعي وإدارة اللحظات المفصلية، وفي قلب هذا المشهد برز العلماء في مقدمة الصفوف، لتتحول الرسالة من مجرد إعلان موقف سياسي إلى إعلان موقف مجتمعي وقيمي شامل، عنوانه أن القبيلة اليمنية والعلماء والقوى الاجتماعية المختلفة ما تزال ترى في قضايا السيادة والكرامة والاستقلال قضايا جامعة تتجاوز الجغرافيا والانتماءات المحلية، وتعيد إنتاج صورة اليمن بوصفه مجتمعاً يمتلك قدرة عالية على التكيف والتعبئة والصمود في مواجهة التحولات الكبرى.