من المولد إلى المواجهة قراءة تحليلية في مضامين كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة المولد النبوي الشريف 1439هـ
جاءت الكلمة الأولى للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله بمناسبة المولد النبوي الشريف لعام 1439هـ في 25 نوفمبر 2017، في سياق يمني وإقليمي شديد التعقيد، اتسم باستمرار العدوان في اليمن وتصاعد التداعيات الإنسانية والسياسية، بالتزامن مع أزمات وصراعات واسعة في المنطقة، ومن خلال قراءة مضامين الكلمة وبنيتها الخطابية، يتضح أنها لم تتعامل مع المولد النبوي باعتباره مناسبة دينية احتفالية فحسب، بل قدمته كمدخل لإعادة قراءة الواقع، وتحديد مصادر الخطر، وترسيخ الهوية، ثم الانتقال منها إلى خطاب المواجهة والصمود، ومن هنا يبرز العنوان الدال، “من المولد إلى المواجهة”؛ إذ يكشف المسار الداخلي للكلمة عن انتقال متدرج من استحضار الرسول والأنبياء والقيم الدينية إلى قضايا الهوية والحرب الناعمة والاستقلال والصراع السياسي والعسكري.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
المولد النبوي بوابة لقراءة الواقع
يفتتح الخطاب بتوصيف واسع للأوضاع التي تعيشها البشرية والأمة الإسلامية، مركزاً على الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويطرح السيد القائد تفسيراً يقوم على أن التقدم المادي، عندما ينفصل عن القيم والمبادئ، يمكن أن يتحول إلى أداة للهيمنة والظلم، وتكمن الدلالة هنا في أن الخطاب لا يفصل المناسبة الدينية عن قضايا العصر؛ بل يجعل من المولد مناسبة لإعادة طرح سؤال القيم التي ينبغي أن تحكم حركة الإنسان والمجتمع والدولة، وبذلك يتحول الحدث الديني من ذكرى تاريخية إلى منصة لتفسير الواقع وتحديد أسباب أزماته.
ثنائية الأنبياء والاستكبار
تقوم الكلمة على ثنائية مركزية تتمثل في حضور الأنبياء وقيمهم في مقابل حضور قوى الاستكبار والطاغوت، فالأنبياء يقدمون باعتبارهم رمزاً للهداية والعدل والكرامة، بينما تُقدم القوى المهيمنة باعتبارها مصدراً للظلم والفساد والحروب، ولا يحصر السيد القائد هذا الصراع في المجال العسكري، بل يوسعه ليشمل السياسة والثقافة والإعلام والتعليم والاقتصاد، وهذه نقطة جوهرية في فهم الكلمة؛ لأنها تنقل مفهوم المواجهة من ميدان القوة الصلبة إلى ميدان الوعي والهوية والثقافة.
من الإيمان النظري إلى الاقتداء
من أبرز محاور الكلمة التأكيد على أن الإيمان بالرسول صلوات الله عليه وعلى آله لا ينبغي أن يبقى إقراراً نظرياً، وإنما يجب أن يتحول إلى محبة واقتداء وتأسي وقيم وسلوك ومواقف،
وبذلك يعيد الخطاب تعريف وظيفة السيرة النبوية، فالمطلوب ليس معرفة أحداثها فقط، وإنما استخراج القيم والمبادئ التي يمكن توظيفها في الواقع، وتصبح شخصية الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، وفق هذا البناء، مرجعية تربوية وأخلاقية قادرة على التأثير في الفرد والمجتمع.
السيرة النبوية ومعركة الوعي
ينتقل السيد القائد بعد ذلك إلى نقد طريقة تقديم السيرة النبوية، متحدثاً عن وجود روايات مشوهة أو غير صحيحة، وعن جوانب يرى أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي، إضافة إلى ما يصفه بضعف الأساليب المعاصرة في تقديم السيرة،
وتظهر هنا رؤية واضحة تعتبر السيرة مجالاً لبناء الوعي العام، ولذلك يدعو الخطاب إلى تعزيز حضورها في المناهج التعليمية، والجامعات، والمدارس الدينية، والمساجد، والقنوات الإعلامية والوسائل الحديثة، وهذا يعني أن المعركة الثقافية، في تصور الخطاب، تحتاج إلى أدوات مؤسسية وإعلامية وتعليمية، لا إلى نشاط ديني موسمي محدود.
الحرب الناعمة والصراع على الهوية
يحتل مفهوم “الحرب الناعمة” موقعاً مهماً في الكلمة، إذ تُعرض باعتبارها محاولة للتأثير في أفكار المجتمع وثقافته وسلوكياته، بحيث يصبح التأثير في الوعي وسيلة لإنتاج مواقف سياسية واجتماعية معينة، ويعدد السيد القائد وسائل هذا التأثير من الإعلام والمناهج والقنوات الفضائية إلى الإنترنت ووسائل التواصل، ومن ثم تصبح الهوية، في البناء الخطابي، ساحة مواجهة قائمة بذاتها، وهنا تبرز دلالة مهمة، المواجهة لا تُعرّف باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل باعتبارها صراعاً على الإنسان نفسه؛ على أفكاره وقيمه ومرجعياته ورؤيته للعالم.
اليمن واستحضار نموذج الأنصار
يمنح الخطاب البعد اليمني مساحة خاصة من خلال استحضار الأوس والخزرج، وتقديمهما بوصفهما نموذجاً تاريخياً لنصرة الرسول، ثم ينتقل من هذا النموذج التاريخي إلى الحاضر، عبر مفهوم “أحفاد الأنصار”، وتؤدي هذه الإشارة وظيفة تتجاوز الاستذكار التاريخي؛ فهي تربط الهوية اليمنية المعاصرة بسردية دينية وتاريخية ذات رمزية عالية، ومن خلال ذلك يقدم الخطاب صورة لليمني باعتباره صاحب دور تاريخي في نصرة الإسلام، ويربط هذه الصورة بمفاهيم الاستقلال ورفض التبعية وتحمل التضحيات.
وهنا يصبح التاريخ جزءاً من بناء الهوية السياسية المعاصرة.
من الهوية إلى الموقف السياسي
بعد تثبيت العلاقة بين المولد والرسول والهوية، ينتقل الخطاب إلى الموقف السياسي بصورة أكثر مباشرة، فالاستقلال وعدم التبعية، لا يظهران كخيار سياسي منفصل عن الدين، وإنما كامتداد لفكرة الحفاظ على الهوية والكرامة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم الانتقال من الحديث عن محبة الرسول والاقتداء به إلى الحديث عن الحرب والعدوان والصمود؛ إذ يجري تقديم الموقف السياسي باعتباره امتداداً لمنظومة القيم التي تأسست في الجزء الأول من الكلمة.
الموقف من العدوان والداخل الحكومي
في الجزء الأخير، يتخذ الخطاب طابعاً سياسياً مباشراً من خلال تناول العدوان على اليمن، وانتقاد السياسات السعودية، والتعليق على التطورات الإقليمية، والدعوة إلى الثبات والاستعداد للتصعيد، وفي المقابل، يتضمن الخطاب نقداً للأداء الحكومي، معتبراً أنه لا يواكب حجم التحديات والمعاناة، وهو ما يكشف أن المسؤولية في تصور الخطاب لا تقع على الخارج وحده، وإنما تشمل أيضاً معالجة الاختلالات الداخلية.
البعد التعبوي
يمكن قراءة الكلمة في ضوء ثلاثة مستويات متداخلة، ديني، وفكري، وتعبوي، فالمستوى الديني يستحضر الرسول صلوات الله عليه وعلى آله والأنبياء والقيم، والمستوى الفكري يركز على الهوية والحرب الناعمة والصراع الثقافي، أما المستوى التعبوي فيظهر في الدعوة إلى الصمود والاستعداد ومواجهة التحديات،
وهذا التداخل هو الذي يمنح الخطاب قوته التعبيرية؛ إذ لا يقدم المواجهة باعتبارها قراراً سياسياً مجرداً، بل يربطها بسردية أوسع عن الدين والهوية والكرامة والاستقلال.
ختاما ..
تكشف الكلمة عن مسار خطابي واضح يبدأ من المولد النبوي، ثم يستحضر الرسول والأنبياء، وينتقل إلى القيم والهوية، ثم إلى الحرب على الوعي، وصولاً إلى الموقف من الصراع والمواجهة، وبذلك يصبح عنوان “من المولد إلى المواجهة” معبراً عن بنيتها الأساسية، فالمناسبة الدينية تُستخدم نقطة انطلاق لإعادة تفسير الواقع، والسيرة تتحول إلى مرجعية للقيم، والهوية تتحول إلى إطار لفهم الصراع، ثم ينتهي الخطاب إلى التعبئة السياسية والميدانية، وعلى المستوى التحليلي، تكمن أهمية الكلمة في كونها نموذجاً لخطاب مركب تتداخل فيه المرجعية الدينية مع بناء الهوية وتفسير الأحداث وتوجيه الموقف السياسي؛ وهو ما يجعلها مادة مهمة لفهم طبيعة الخطاب الذي ساد في اليمن خلال مرحلة الحرب، وكيف انتقلت المناسبة الدينية من إطارها الاحتفالي إلى فضاء أوسع يتصل بالوعي والهوية والصراع والمواجهة.