من الإغاثة إلى الإنتاج.. كيف تحولت مبادرات الأهالي إلى مشاريع تنموية تعيد تشكيل الريف؟
من خزان مياه في عمران إلى طرق ريفية في حجة، ومن حواجز حصاد مياه الأمطار في البيضاء ومأرب إلى حقول الفاصوليا والذرة في ذمار، تتشكل في عدد من مديريات المحافظات الحرة مبادرات تنموية تقودها المجتمعات المحلية وتساندها الجمعيات التعاونية والسلطات المحلية، وبينما تكشف هذه التحركات عن احتياجات ملحّة فرضتها وعورة الطرق وشح المياه وأضرار السيول، فإنها تكشف في المقابل عن انتقال العمل المجتمعي من الاستجابة الطارئة إلى بناء مشاريع أكثر ارتباطًا بالإنتاج الزراعي والخدمات الأساسية والتنمية المستدامة، في صورة تعكس اتساع دور المجتمع المحلي في معالجة الاحتياجات ذات الأولوية وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
يمانيون| محسن علي
لا تبدو المبادرات المجتمعية التي تشهدها عدد من المديريات مجرد أعمال متفرقة لتحسين طريق أو تنظيف قناة أو إصلاح خزان، بل تتقاطع في هدف أوسع يتمثل في معالجة الاحتياجات الأساسية من داخل المجتمعات نفسها. ففي ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق وتضرر البنية التحتية وشح الموارد، يتولى الأهالي والجمعيات التعاونية تنفيذ مشاريع خدمية وتنموية، بتمويل شعبي أو مساهمات ذاتية، وبإسناد من السلطات المحلية والجهات المختصة.
ففي قرية المصنعة بعزلة ويند والعسم في مديرية أشمور بمحافظة عمران، استكمل أبناء المنطقة مبادرة إصلاح واستكمال بناء خزان مياه في منطقة مصطحة، بهدف خدمة السهول الزراعية، ووفق القائمين على المبادرة، فإن المشروع حظي بتفاعل واسع من أبناء القرية، في خطوة جسدت قيم التعاون والتكافل والمسؤولية المجتمعية، وربطت بين تحسين خدمة المياه ودعم النشاط الزراعي المحلي.
وفي مديرية أفلح الشام بمحافظة حجة، دُشن مشروع مسح طريق منطقة بيت القعود في عزلة بني الحارث، بطول يبلغ 1.2 كيلومتر، ليستفيد منه نحو ألف نسمة من أبناء المنطقة، ويهدف المشروع إلى ربط عدد من المناطق وتخفيف معاناة السكان الناتجة عن وعورة الطريق، عبر مبادرة مجتمعية نُفذت بالتعاون مع السلطة المحلية.
الطرق الريفية.. أولوية خدمية وتنموية
تحتل مشاريع الطرق موقعًا بارزًا في خريطة المبادرات المحلية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لتسهيل تنقل المواطنين ونقل المنتجات الزراعية والوصول إلى الخدمات، ففي مديرية المحابشة بمحافظة حجة، تتواصل أعمال شق طريق عزلة حجر، وقد بلغت نسبة الإنجاز 40 بالمائة، مع إتمام المرحلة الأولى غربًا من سوق حجر إلى وادي لقمان، والانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية شرقًا من بيت العوبلي وصولًا إلى الوادي.
وتنفذ المبادرة بتمويل شعبي كامل، إلى جانب مساهمة مجتمعية في توفير مادة الديزل، بينما تساند السلطة المحلية المشروع عبر توفير معدات الشق والإشراف الميداني، ويعكس هذا النموذج توزيعًا للأدوار بين المجتمع والجهات الرسمية، بحيث يتولى الأهالي جانبًا من التمويل والاحتياجات التشغيلية، فيما تقدم السلطة المحلية الدعم الفني واللوجستي، وفي مديرية قفل شمر بمحافظة حجة، تواصل جمعية قفل شمر التعاونية الزراعية إعادة تأهيل طريق الظهران في عزلة بني جل، بعد الأضرار التي لحقت به جراء سيول الأمطار الغزيرة، وقد أسهمت المبادرة، الممولة من مساهمات أهالي المنطقة، في فتح الطريق وتسهيل حركة المواطنين وتأمين تنقلاتهم.
أما في مديرية شبام كوكبان بمحافظة المحويت، تشهد عزلة الضلاع الأعلى أعمال رصف لعدد من الطرق بجهود الأهالي ودعم وحدة التدخلات المركزية، شملت الأعمال طريق عبر الشماتي – بيت مفرح بطول 100 متر وعرض أربعة أمتار، وطريق بيت الهره – بيت المذبحي بطول 50 مترًا وبالعرض نفسه، وذلك في إطار تحسين البنية التحتية وخدمة السكان.
كما أطلقت جمعية أفلح اليمن التعاونية الزراعية بمحافظة حجة مبادرة لمسح وإصلاح عدة طرقات في المديرية، شملت إزالة المخلفات من الخط الرئيسي، وإصلاح وتوسعة الطريق المؤدي من المعهد العالي إلى المركز الصحي في عزلة الجوانة، وفتح العبارات المغلقة، ومسح طريق المجمع الحكومي، وتأتي هذه الأعمال استجابة للأضرار الناجمة عن مياه الأمطار، وبمساهمات مجتمعية وتكافلية، مع استمرار الجهود لتغطية بقية الطرق المتضررة.
وفي مديرية برط العنان بمحافظة الجوف، دشنت وحدة المبادرات المجتمعية، بالتعاون مع وحدة التدخلات المركزية الطارئة، مبادرة لتسوية ورصف شوارع سوق مدينة العنان الأثرية، ضمن الاستعدادات لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، حيث بدأت المبادرة بأعمال المسح وإزالة المخلفات، فيما وفرت وحدة التدخلات الإسمنت والديزل والأحجار لرصف مساحة تبلغ 9700 متر مكعب، وتكفلت اللجان المجتمعية بنفقات العمالة وحشد التجار والمواطنين للمشاركة.
المياه.. من مواجهة الجفاف إلى دعم الزراعة
تتجه مبادرات أخرى إلى تعزيز الموارد المائية والاستفادة من مياه الأمطار والسيول، في محاولة لتقليل آثار الجفاف وتوفير احتياجات القطاع الزراعي، ففي محافظة البيضاء، نفذت السلطة المحلية وجمعية مكيراس التعاونية الزراعية زيارات ميدانية لمسح ودراسة مواقع إنشاء كرفانات ترابية لحصاد مياه الأمطار في عزل الهجر والماذن والبويب وبركان.
وشارك في الزيارات فريق هندسي وجيولوجي متخصص، إلى جانب مسؤولي الزراعة والجمعية ومنسق المبادرات، بهدف تحديد المواقع المناسبة للمشاريع. وتستهدف المبادرة تعزيز المخزون المائي، وتغذية الآبار السطحية، وضمان توفر مياه الري خلال مواسم الجفاف، بما يخدم المزارعين ويعزز استدامة النشاط الزراعي.
وفي مديرية مجزر بمحافظة مأرب، تفقدت قيادات السلطة المحلية والعمل التعاوني سير العمل في مشروع سد البرابر المائي، واطلعت على المراحل المنجزة وأهمية المشروع في تعزيز المخزون المائي وتوفير مياه الري، وتربط الجهات المشرفة بين استكمال المشاريع المائية وتوسيع الرقعة الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة.
كما اطلع مدير مديرية الصفراء بمحافظة صعدة على الأعمال الجارية في مشروع الحاجز المائي بعزلة نشور في منطقة الرزامات، والذي شارفت أعماله على الانتهاء، وشملت المتابعة مناقشة خطة ردم الطريق الفاصل بين البحيرة والوادي، بما يسهل حركة المواطنين ويحمي المنشأة المائية ويعزز الاستفادة منها.
وإلى مديرية الطفة، دُشنت المرحلة الثالثة لصرف ألف لتر من مادة الديزل لدعم الأنشطة الزراعية وصيانة وتنظيف الحواجز المائية. وتخصص الكمية لصيانة حواجز الرصراص ودام والمدرة، بما يساعد على استغلال مياه الأمطار والسيول وتغذية الآبار الجوفية، وتهيئة الظروف للتوسع في زراعة الحبوب والبقوليات.
الزراعة بين استصلاح الأراضي وتنظيم الإنتاج والتسويق
لا تقتصر المبادرات الزراعية على توفير المياه، بل تمتد إلى استصلاح الأراضي وتنظيم العملية الإنتاجية ورفع جودة المحاصيل وفتح قنوات التسويق، ففي مديرية جبل الشرق بمحافظة ذمار، أُطلقت مبادرة لاستصلاح الأراضي الصالبة في وادي المطاحن، بهدف التوسع في زراعة المحاصيل والوصول إلى الاكتفاء الذاتي، شملت المبادرة أعمال تقليب وتسوية التربة، وبناء المدرجات والجداريات، وإصلاح مصارف السيول، على مساحة تبلغ 200 متر، استعدادًا لإدخال الأرض إلى الإنتاج الزراعي بمحصول الحبوب. وتجمع هذه الأعمال بين زيادة المساحة المزروعة وحماية التربة من الانجراف وتحسين الاستفادة من مياه الأمطار.
وفي المديرية نفسها، نفذت جمعية جبل الشرق التعاونية الزراعية ومكتب الزراعة حملة توعوية للحد من الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية، حيث ركزت الحملة على مخاطر المبيدات على صحة الإنسان والبيئة، وأهمية الالتزام بالجرعات وفترات الأمان، إلى جانب تقديم إرشادات ميدانية وتوزيع مواد توعوية على المزارعين.
أما في مديرية جهران بمحافظة ذمار، نُفذت زيارة ميدانية لحقول زراعة الفاصوليا ضمن برنامج الزراعة التعاقدية، بهدف متابعة جودة المحصول وضمان تسويقه بصورة آمنة، بما يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد، وأكد المزارعون استعدادهم للتوسع في زراعة الفاصوليا، بينما شدد ممثلو الجهات الزراعية والجمعية التعاونية على أهمية توفير حصادات آلية في نهاية الموسم للحفاظ على جودة الحبوب وزيادة الإنتاجية.
وإلى محافظة عمران، نفذت جمعية ريدة التعاونية الزراعية نزولًا ميدانيًا إلى قرى عقبات وبيت الربوعي والضيعة بعزلة ذيفان، لاستكمال بيانات 20 مزارعًا مرويًا ضمن جهود إدارة العملية الزراعية والتسويق عبر الزراعة التعاقدية، كما تضمن النزول تقديم إرشادات حول استخدام البذور المحسنة، والاعتماد على الأسمدة والمبيدات المحلية البديلة، والابتعاد عن المواد المهربة حماية للتربة والمستهلك.
وفي محافظة ذمار أيضًا، سوقت جمعية جبل الشرق التعاونية الزراعية متعددة الأغراض 17 طنًا من محصول الذرة الشامية ضمن برنامج الزراعة التعاقدية، بالتنسيق مع الاتحاد التعاوني الزراعي وقطاع التسويق ووحدة الزراعة التعاقدية بوزارة الزراعة، وبيعت الكمية لشركة الزاهري للدواجن بسعر 300 ريال للكيلوغرام، في خطوة تستهدف تحفيز المزارعين على التوسع في زراعة الذرة، وتوفير قنوات تسويقية بعائد مناسب، وتعزيز الثقة بين المزارعين والجمعية.
قنوات الري وحماية الإنتاج المحلي
في مديرية اللحية بمحافظة الحديدة، يواصل مزارعو وأهالي منطقة عقم نجران إعادة تأهيل قنوات الري وإزالة الترسبات، بإشراف ومساندة الجمعية التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وتهدف هذه الأعمال إلى ضمان انسيابية تدفق المياه، وحماية الأراضي الزراعية، وتعزيز الإنتاج المحلي والأمن الغذائي.
وفي مديرية الزهرة بالمحافظة نفسها، دشنت جمعية الزهرة التعاونية الزراعية مبادرة لإزالة أشجار السول من قناة البرودة المائية في عزلة ربع الفرنتي. وتمتد القناة لأكثر من أربعة كيلومترات وتروي نحو 1500 معاد زراعي، ما يجعل تنظيفها والحفاظ على تدفق المياه فيها أولوية للمزارعين.
وتعكس هذه المبادرات إدراكًا متزايدًا بأن حماية القنوات والمنشآت المائية لا تقل أهمية عن إنشاء مشاريع جديدة؛ فانسداد مجرى الري أو تراكم الترسبات يمكن أن ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي، في حين يتيح انتظام تدفق المياه الحفاظ على الأراضي ودعم سبل عيش السكان.
الجمعيات التعاونية.. من المشاركة إلى العمل المؤسسي
تتولى الجمعيات التعاونية في عدد من المديريات دورًا متقدمًا في تنظيم المبادرات وتحويل الجهود الشعبية إلى مشاريع أكثر استدامة، ففي مديرية حرف سفيان بمحافظة عمران، أُشهرت جمعية العمشية التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، بحضور الجهات المعنية، وبهدف مساندة المزارعين وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وشهد حفل الإشهار انتخاب الهيئة الإدارية والرقابية للجمعية واستعراض لائحتها الداخلية، بتمويل من وحدة تمويل المبادرات وبشراكة مع الجهات الاجتماعية والزراعية وإسناد مؤسسة بنيان التنموية، وأكد المشاركون أهمية الجمعية في تفعيل المشاركة المجتمعية وإدارة العمل التعاوني بأسلوب مؤسسي وتبني المشاريع الخدمية والزراعية.
وفي مديرية عيال سريح بمحافظة عمران، أُشهرت جمعية النهضة الزراعية التعاونية متعددة الأغراض، بمشاركة 817 مساهمًا بإجمالي 1910 أسهم، وبرصيد مودع في البنك يبلغ تسعة ملايين وخمسين ألف ريال، كما جرى انتخاب هيئة إدارية من 11 عضوًا ولجنة رقابة من خمسة أعضاء، ليرتفع عدد الجمعيات التعاونية في المديرية إلى 16 جمعية.
وتكشف هذه الأرقام عن انتقال العمل التعاوني من المبادرة الفردية إلى بنية مؤسسية تضم مساهمين وهيئات إدارية ورقابية وموارد مالية، وهو ما يمكن أن يعزز قدرة المجتمعات على التخطيط للمشاريع وإدارتها ومتابعة نتائجها.
الصحة والتمكين الاقتصادي ضمن أولويات المجتمع
تمتد المبادرات إلى قطاعات خدمية أخرى، من بينها الصحة والتمكين الاقتصادي، ففي مديرية المنار، تتواصل الجهود المجتمعية لتوسعة وبناء الوحدة الصحية في قرية ذي صبل بعزلة الجعافرة، وهو مرفق يخدم أكثر من عشرة آلاف مواطن.
وقد أُنجزت أعمال بناء الجدران والقواطع وصب السطح بتكلفة تجاوزت 15 مليون ريال، بجهود الأهالي ودعم الخيرين، فيما لا يزال المشروع بحاجة إلى استكمال التشطيبات والتجهيزات الداخلية، كما أن المشروع ينفذ بمتابعة السلطة المحلية وجمعية المنار التعاونية، وبدعم من وحدة التدخلات المركزية التي وفرت الإسمنت، وبإشراف مكتب الصحة لضمان الالتزام بالجوانب الفنية والهندسية.
وفي محافظة الحديدة، نفذت جمعية زبيد التعاونية الزراعية زيارة ميدانية إلى عدد من العزل لمتابعة أوضاع المستفيدين من مشاريع التمكين الاقتصادي المخصصة لدعم المتضررين من السيول وذوي الإعاقة، حيث شملت المتابعة ترقيم المواليد الجدد، وتحصيل الأقساط الشهرية، وتقديم التوعية حول رعاية المواليد والإناث، بما يهدف إلى استدامة المشاريع وتحسين المستوى المعيشي للمستفيدين.
شراكة محلية تتسع وظيفتها
تظهر الأخبار الميدانية أن المبادرات المجتمعية لم تعد محصورة في تنفيذ أعمال إسعافية، بل بدأت تتخذ طابعًا أكثر شمولًا يجمع بين تأهيل البنية التحتية، وحماية الموارد الطبيعية، وتنظيم الإنتاج الزراعي، وتسويق المحاصيل، وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية.
تعتمد هذه المبادرات في معظمها على شراكة ثلاثية تجمع الأهالي والجمعيات التعاونية والسلطات المحلية، مع تدخلات مساندة من الجهات المركزية والمؤسسات التنموية، فالأهالي يوفرون التمويل أو العمالة أو الوقود، والجمعيات تتولى التنظيم والمتابعة، بينما تقدم السلطات المحلية المعدات أو الإشراف أو التسهيلات اللازمة.
هذا النموذج يخفف من أثر نقص الإمكانات، لكنه في الوقت نفسه يضع على عاتق الأطراف المشاركة مسؤولية الحفاظ على جودة المشاريع واستدامتها. فنجاح مبادرة شق طريق لا يقاس بفتح المسار فقط، بل بقدرته على الصمود أمام الأمطار والسيول، كما أن نجاح مشروع حصاد مياه لا يكتمل بإنشاء الحاجز، بل بانتظام صيانته وحسن إدارة المياه والاستفادة منها في الزراعة.
ختاما
تكشف هذه المبادرات عن حيوية اجتماعية متزايدة في عدد من المديريات، وعن قدرة الأهالي والجمعيات التعاونية على تحويل الاحتياجات اليومية إلى مشاريع عملية تخدم المياه والطرق والزراعة والصحة، وبينما تظل هذه الجهود بحاجة إلى دعم فني وتمويلي يضمن استدامتها، فإنها تقدم نموذجًا محليًا للتنمية يبدأ من المجتمع، ويستند إلى المشاركة، ويتجه نحو تحسين الخدمات وتعزيز الإنتاج والاكتفاء الذاتي.