أكذوبة استهداف المقدسات من القدس إلى مكة والمدينة.. حين تتحول حرمة المقدسات إلى سلاح في معركة التضليل وتبرير الجرائم
ليست المقدسات الإسلامية مادة للمساومة السياسية، ولا ينبغي أن تتحول حرمتها إلى ورقة ابتزاز إعلامي لتبرير الحروب والجرائم بحق الشعوب، غير أن المقارنة بين خطاب العدو الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على غزة وخطاب العدو السعودي في الحرب على اليمن تكشف عن تشابه لافت في توظيف الرموز الدينية، واستثارة المشاعر الإسلامية، وصناعة اتهامات بالغة الحساسية لتوجيه الرأي العام وصرف الأنظار عن جوهر الصراع ونتائجه الإنسانية،
فبينما وظّف خطاب العدو الإسرائيلي اتهامات تتعلق بالمقاومة الفلسطينية باستهداف القدس والمسجد الأقصى ضمن روايته لتبرير عملياته العسكرية، يستخدم العدو السعودي اتهامات باستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة في مواجهة اليمن، وهي اتهامات في إطار حملة تضليل تستهدف استثارة مشاعر المسلمين وتوفير غطاء للتصعيد العسكري، إن جوهر المقارنة لا يكمن في تطابق الوقائع أو اختلاف ساحات المواجهة، بل في تشابه الأداة الدعائية، استدعاء قدسية المكان، وتحويل الاتهام إلى إدانة مسبقة، ثم توظيف الغضب الديني لتسويق رواية الحرب.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
المقدسات في خدمة الرواية العسكرية
منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، سعى خطاب العدو الإسرائيلي إلى تقديم العمليات العسكرية باعتبارها مواجهة مع حركة المقاومة، وربط سلوكها بمخاطر تمس الأمن الإسرائيلي ومكانة المواقع المقدسة في القدس، وفي المقابل، استخدم العدو إسرائيل هذا الخطاب لتقديم روايتها الأمنية والسياسية إلى العالم، بينما كانت غزة تتعرض لدمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتتصاعد التحذيرات الدولية من الكارثة الإنسانية، وفي المواجهة مع اليمن، عادت المقدسات إلى واجهة الخطاب الإعلامي، لكن هذه المرة من بوابة مكة والمدينة، فقد اتهم العدو السعودي القوات اليمنية باستهداف مكة، ثم اتهمها باستهداف منشأة كهرباء في المدينة المنورة تزود المسجد النبوي بالطاقة مطلع أكتوبر، وقد نفت صنعاء هذه الاتهامات، واعتبرتها امتداداً لحملة تضليل تستهدف تشويه موقفها واستثارة الرأي العام الإسلامي، وتؤكد هذه التطورات أن الاتهامات المتعلقة بالمقدسات ليست مجرد تصريحات عابرة؛ فهي تمتلك قدرة استثنائية على تحريك المشاعر، وتشكيل المواقف، ودفع قطاعات واسعة إلى تبني أحكام مسبقة قبل التحقق من حقيقة الوقائع والأدلة المتعلقة بها.
من القدس إلى مكة.. تشابه الأدوات واختلاف الساحات
تكمن المفارقة في أن الطرفين يوظفان الرمزية الدينية ضمن معركة الرواية؛ فالعدو الاسرائيلي يستثمر حساسية القدس والمسجد الأقصى في سياق خطابه بشأن المقاومة الفلسطينية، فيما يستثمر العدو السعودي مكانة مكة والمدينة في سياق اتهاماتها لليمن، وفي الحالتين، يصبح الاتهام المتصل بالمقدسات وسيلة لتعبئة المشاعر وتقديم الخصم في صورة المعتدي على الدين ذاته، لا بوصفه طرفاً في نزاع سياسي وعسكري تتطلب وقائعه تحقيقاً مستقلاً وأدلة قابلة للتحقق، وتزداد خطورة هذا الأسلوب حين تُستخدم القداسة لتجاوز الأسئلة الجوهرية، من بدأ الحرب؟ ومن يتحمل مسؤولية الضحايا المدنيين؟ وما حقيقة الأهداف التي استُهدفت؟ وهل تستند الاتهامات إلى أدلة مستقلة أم إلى رواية من طرف واحد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يجوز أن تُستبدل بخطاب عاطفي يستدعي حرمة المقدسات ثم يطالب الجمهور بتصديق الرواية المطروحة دون تمحيص، ومن هنا، فإن التشابه بين الخطابين يثبت وجود قيادة موحدة ومشروع واحد في إطار وحدة المنهج الدعائي القائم على استثمار المقدسات في الصراع السياسي والعسكري، وهي مسألة تستحق التفكيك والمساءلة.
اثنا عشر عاماً من العدوان.. هل تمحو الاتهامات ذاكرة اليمنيين؟
لا يمكن قراءة اتهامات العدو السعود بمعزل عن العدوان الذي شنه في اليمن منذ عام 2015، وما رافقها من خسائر بشرية ودمار ونزوح وأزمة إنسانية ممتدة، فبالنسبة إلى اليمنيين، لا تتعلق القضية بمجرد سجال إعلامي حول مكة والمدينة، بل بمسؤولية العدوان ونتائجه، وبحق الضحايا في الإنصاف، وبضرورة عدم تحويل المقدسات إلى غطاء يحجب معاناة المدنيين،
إن استثارة مشاعر المسلمين تجاه الحرمين لا تجيب عن أسئلة اليمنيين بشأن ما تعرضت له مدنهم ومناطقهم من قصف ودمار، ولا تُسقط مسؤولية أي طرف عن الانتهاكات التي تثبتها الأدلة والتحقيقات الموثوقة، كما أن دعم اليمنيين للقضية الفلسطينية ومناصرتهم للقدس والمسجد الأقصى والمقدسات يمثل جزءاً من السياق السياسي والشعبي الذي تستند إليه صنعاء في رفض اتهامات استهداف الحرمين، لكن المواقف السياسية، مهما كانت دلالتها، لا تغني وحدها عن التحقق المستقل من أي حادثة عسكرية؛
حين يصبح التضليل غطاءً للتصعيد
تكمن الخطورة الأكبر في النتائج التي قد تترتب على توظيف هذه الاتهامات؛ إذ يمكن أن تتحول إلى أداة لتعبئة الرأي العام، وتهيئة المناخ لتبرير ضربات عسكرية جديدة، واستثارة مواقف إقليمية ودولية قبل اكتمال التحقق من الوقائع،
وقد أظهرت التغطيات الدولية للاتهامات المتعلقة بمكة والمدينة أن الرواية السعودية قوبلت بتفاعلات وإدانات خارجية، في حين أكدت صنعاء نفيها استهداف المقدسات، وهذا يجعل التحقق المستقل من الأدلة أمراً ضرورياً، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمواقع تحظى بمكانة روحية استثنائية لدى المسلمين، ولا يقتصر أثر هذا التضليل المحتمل على اليمن؛ بل يمتد إلى الوعي الإسلامي العام.
المقدسات ليست ملكاً لآل سعود
إن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليست أوراقاً في يد العدو السعودي، ولا يجوز الحديث باسمها لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، إنها مقدسات للأمة الإسلامية، وصون حرمتها مسؤولية أخلاقية ودينية وقانونية لا تتجزأ،
ومن هنا، فإن رفض استغلال الحرمين في حملات التحريض لا يعني التقليل من حرمتهما، بل يعني الدفاع عن قدسيتهما من التوظيف السياسي، والمطالبة بأدلة واضحة على أي ادعاء يمس أمنهما وسلامتهما، إن أخطر ما في معركة المقدسات ليس مجرد إطلاق اتهام كاذب، بل تحويل هذا الاتهام إلى وسيلة لتضليل الوعي، وتبرير الحرب، وإسكات الأسئلة المتعلقة بالضحايا والمسؤولية، وبين القدس التي ظلت عنواناً لمعاناة الفلسطينيين، ومكة والمدينة اللتين تستدعيان أسمى مشاعر المسلمين، يبقى الامتحان الحقيقي هو رفض ازدواجية المعايير، وعدم السماح لأي طرف بتحويل الدين إلى درع يحمي روايته من النقد أو يبرر جرائمه بحق الأبرياء.