بعد 12 عاما من العدوان على اليمن: السعودية تهرب من الحضن العربي إلى حضن إيران

في مارس 2015، أعلنت الرياض من على منابرها الإعلامية القذرة أن العدوان على اليمن “معركة دفاع عن الأمن القومي العربي وقدمت العملية باعتبارها مواجهة ضرورية لوقف ما سمته «التمدد الإيراني» وإعادة اليمن إلى «الحضن العربي»، وبعد 12 عشر عاماً من الإجرام والقصف والحصار والتجويع والإيغال في سفك الدم اليمني ظلما وتدمير بنيته التحتية والخدمية، ها هي الرياض اليوم ترسل وزير دفاعها خالد بن سلمان إلى طهران عقر دار “المجوس” الذين زعمت أنها تحاربهم في اليمن لبحث “خفض التصعيد وتشجيع الحوار”، وتستنجد بها على خلفية تصاعد الهجمات اليمنية الضاربة في عصب الاقتصاد السعودي وفرض الحصار البحري والملاحي على مملكة قرن الشيطان، في خطوة وصفتها التقارير الدولية بأنها جزء من تحرك إقليمي لفتح مسار للتفاهم الأمني، والسؤال الذي يفرض نفسه: من الذي خرج من الحضن العربي؟ ومن الذي دخل حضن إيران؟

يمانيون| محسن علي

 

لم تكشف الاتصالات السعودية الإيرانية تناقضًا دبلوماسيًا عابرًا فحسب، بل وضعت الخطاب الذي رافق العدوان الأمريكي السعودي من واشنطن على اليمن 2015 أمام اختبار علني، فالشعارات التي جعلت من «المجوس» و«الروافض» و«أذناب إيران» مبررًا للتعبئة، وصولا إلى البهتان السعودي العظيم المتثمل باستهداف مكة والمدينة المنورة والإساءة إلى الرموز الدينية، تراجعت حين فرضت الحسابات السياسية فتح قنوات التواصل مع طهران.

 

إعادة اليمن إلى الحضن العربي

يعتبر هذا العنوان من أخطر وأبرز العناوين التي استخدمها العدو السعودي المجرم لحشد البسطاء للوقوف إلى جانب عدوانه على اليمن، فيما جرى تصوير صنعاء باعتبارها أداة خارجية لا طرفًا يمنيًا له مطالبه وحساباته، وبذلك اختُزلت أزمة سياسية معقدة في ثنائية مذهبية، وأصبح كل صوت يدعو إلى التفاهم أو وقف الحرب عرضة للتخوين والاتهام.

لم يتوقف الأمر عند الخطاب السياسي، بل شاركت وسائل إعلام ومنابر مؤثرة في إنتاج سردية تقوم على مفردات التكفير والتحريض، فاستُخدمت أوصاف مثل «المجوس» و«الروافض» و«أتباع إيران»، وأُثيرت ادعاءات عن الإساءة إلى الصحابة أو استهداف المقدسات، بهدف تحويل الحرب من نزاع سياسي وعسكري إلى معركة دينية لا تقبل النقاش، وفي مثل هذا المناخ، يصبح المواطن البسيط متلقيًا لرواية أحادية، ويُدفع إلى تأييد الحرب قبل أن يسأل عن أسبابها ونتائجها الإنسانية.

 

“التمدد الإيراني”  الذريعة التي انتحرت

لم تكن ذريعة “التمدد الإيراني” بريئة، فقد استُخدمت من قبل الهالة الإعلامية السعودي كأحد العناوين لتبرير العدوان الأمريكي السعودي على اليمن المعلن من واشنطن، وتصويرها كمعركة دفاع عن “الأمن القومي العربي”، لكن اتفاق بكين في مارس 2023 نسف هذه الذريعة من جذورها، فقد نصّ الاتفاق صراحة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة عام 2001، والاتفاقية الاقتصادية الموقعة عام 1998،أي أن الرياض لم تكتفِ بفتح قنوات سياسية مع طهران، بل أعادت تفعيل أطر التعاون الأمني والاقتصادي معها.

وفي ديسمبر 2025، اجتمع الجانبان في طهران في الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية، وأكدا مجدداً التزامهما الكامل بتنفيذ الاتفاق، ورحّبا بـ”الفرص المتاحة للاتصالات المباشرة بين البلدين على جميع المستويات وفي جميع القطاعات”، هذه ليست مجرد تطبيع دبلوماسي عابر، بل تحالف أمني واقتصادي متنامٍ مع “المجوس” الذين كانوا شماعة الحرب على اليمن.

 

“المجوس والروافض”  تهمة تسقط أمام لصوص السياسية

أُريد لتهمة “الرافضة والمجوس” أن تكون صكّاً يُبيح الدم اليمني منذ أول غارة سعودية على اليمن ومبررا آخر لحرب إبادة وحصار جماعي يقاسيها الشعب اليمني إلى اليوم، إذ كانت ولا تزال هذه الأكذوبة أحد الشعارات الزائفة التي يتشدق بها مرتزقة العدو السعودي في الداخل اليمني ضد أبناء الشعب اليمني المسلم الأصيل ويستخدمونها للتغرير على البسطاء من عامة الناس لتألبيهم ضد أبناء جلدتهم وشحمهم ولحمهم على حد سواء وفقا للإملاءات والتوجيهات السعودية.

ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت السعودية تحارب “المجوس” في اليمن، فلماذا تُصافحهم في طهران اليوم؟ أليس من التناقض أن تُشنّ حرب باسم مواجهة النفوذ الإيراني، ثم تُعقد اتفاقاً أمنياً مع نفس إيران؟ هذا التناقض يكشف أن التهمة لم تكن يوماً دينية، بل كانت سياسية بحتة.

 

“سب الصحابة” و”الإساءة لأم المؤمنين”

أما تهمة استهداف مكة المكرمة، فهي الأكثر كشفاً،،  في سبتمبر وأكتوبر 2026، ومع عودة النظام السعودي إلى التصعيد العسكري في اليمن وإعلان اليمن معادلة المثل بالمثل وتثبيت معادلات الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد تكررت المزاعم السعودية بأن أنصار الله أطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مكة، وكان الرد اليمني قاطعاً: نفى المتحدث العسكري يحيى سريع هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً، وأكد أن العمليات “تستهدف المنشآت النفطية والقواعد العسكرية، وهي بعيدة كل البعد عن المشاعر المقدسة”، ووصف عضو المكتب السياسي محمد الفرح هذه المزاعم بأنها “كذب صريح لا أساس له من الصحة”، مضيفاً أن “الحقيقة أن السعودية تعيش مأزقاً حقيقياً في اليمن… ثم تحاول استنفار المسلمين بذريعة كاذبة اسمها استهداف مكة”.

بل ذهب قائد الثورة السيد القائد عبد الملك الحوثي إلى حد وصف التهمة بأنها “بهتان عظيم”، مؤكداً أن “أرواحنا وحياتنا وأموالنا فداءً لمكة المكرمة أما السعودية، فقد وجدت في هذه التهمة أداة أخيرة لاستنفار العالم الإسلامي بعد أن فشلت عسكرياً في حسم الحرب، ومن ثم أضافت حديثا تهمة استهداف “المدينة المنورة”.

 

“أذناب إيران”  من يجرّ أذيال من؟

لم يعد سراً أن السعودية هي من هرولت إلى طهران، وليست صنعاء، فمن وقّع اتفاق بكين؟ ومن فعّل الاتفاقيات الأمنية؟ ومن أرسل خالد بن سلمان إلى طهران؟ ومن وصف العلاقات بـ”التقدم المستمر”؟ كلها الرياض، وفي المقابل، تستمر الرياض في تكرار خطاب “الروافض والمجوس” ضد اليمنيين الذين لم يشنّوا حرباً على السعودية، بل دافعوا عن بلدهم ضد عدوان خارجي، فمن يُصافح “المجوس” في طهران، لا يحق له أن يصف خصومه في صنعاء بـ”المجوس”. ومن يُعقد مع إيران اتفاقاً أمنياً، لا يحق له أن يزعم أنه يحارب النفوذ الإيراني.

 

رسالة إلى أبناء المحافظات الجنوبية

يا أبناء الجنوب الذين ما زلتم ترددون شعارات “الحضن العربي” و”مواجهة المجوس”: توقفوا لحظة واسألوا أنفسكم  من الذي زجّ بكم في محارق الموت؟ من الذي أرسلكم إلى جبهات لم تخترها، تحت شعارات زائفة، لتحاربوا إخوانكم في الوطن بدلاً من أن تبنوا جنوبكم؟ من الذي جعل من شباب وأبناء محافظاتكم ساحة تجنيد واستنزاف، وسلّم مقدراتها لمليشيات لا تمثل أهلها؟ السعودية التي وعدتكم بـ”الحضن العربي” هي نفسها التي هرولت إلى طهران اليوم، وتاركةً وراءها آلاف الشباب الجنوبي بين قتيل وجريح ومفقود، وقوافل من الأسر التي فقدت أبناءها في حربٍ لا ناقة لكم فيها ولا جمل.

لقد استُخدمتم كوقودٍ لحربٍ كانت شعاراتها ديناً، وحين انكشفت الحقيقة، لم يبقَ لكم سوى الجثث والدمار،  السعودية لم تُرسل أبناءها إلى الجبهات، بل أرسلتكم أنتم، ولم تفتح بيوتها للجرحى، بل فتحت لكم مقابر جماعية في الصحراء، وحين قررت التفاهم مع طهران، لم تسألكم ولا عن أبنائكم ولا عن مدنكم المدمرة.

فاسألوا أنفسكم: من الذي جرّكم إلى هذا المصير؟ ومن الذي يبيعكم اليوم نفس الشعارات التي أوصلتكم إلى ما أنتم فيه؟

لقد آن الأوان لترفعوا أصواتكم في وجه كل من يزايد على وطنيتكم بشعاراتٍ انتحرت في طهران، الجنوب ليس ساحة لمشاريع الآخرين، وأبناؤه ليسوا وقوداً لصراعات لا تخدمهم، والحقيقة التي يجب أن تُقال لكم بوضوح: من يريد إعادة الجنوب إلى “الحضن العربي” الفارغ هو نفسه من جرّدكم من قراركم وسلاحكم، وهو نفسه من باع شعاراته في طهران، أما من يدعوكم إلى العودة إلى الوطن الواحد والحوار، فهو من يحفظ دماءكم وكرامتكم ولا سواها صنعاء وأهلها.

 

ختاما

بعد سقوط شعار «التمدد الإيراني» بوصفه مبررًا ثابتًا للحرب، وبعد تحول التواصل مع طهران من تهمة إلى سياسة معلنة، يبقى السؤال: هل كانت الشعارات الطائفية دفاعًا حقيقيًا عن العقيدة والمقدسات، أم غطاءً لتعبئة اليمنيين وتبرير الحرب؟ الوقع اليوم يكشف حقيقة تلك السرديات وسقوطها أمام الحقائق.. وإذا كانت الدبلوماسية حكمة حين تبدأ من الرياض، فلماذا لا تصبح الحكمة نفسها طريقًا إلى سلام عادل مع صنعاء؟ وفق ما تم الاتفاق عليه في خارطة طريق السلام بدلا من الاتجاه نحو التصعيد الذي لن يستفيد منه سوى المشروع الصهيوامريكي في المنطقة.

You might also like