ثقافة الشهادة.. وعيٌ للتحرر وإسقاط عناوين الهيمنة

يمانيون| بقلم: عبدالله علي الذارحي

تأتي الذكرى السنوية للشهيد لتؤكد أن الشهادة في سبيل الله ليست مجرد ذكرى تُستعاد، أو تضحيات تُروى، وإنما محطة إيمانية وتربوية لترسيخ الوعي القرآني الذي يصنع الإنسان الحر، ويمنح الأمة القدرة على مواجهة الطغيان، ويرفض إخضاع الشعوب لمنطق القوة والاستكبار.

ومن هذه الزاوية، جاءت كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في الذكرى السنوية للشهيد 1448هـ لتضع قضية الشهداء في سياقها الأوسع، باعتبارها قضية وعي وموقف ومسؤولية في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستعباد.

إن جوهر الرسالة التي حملتها الكلمة هو أن أخطر ما تسعى إليه قوى الطغيان لا يقتصر على احتلال الأرض أو استنزاف الثروات، وإنما يمتد إلى إخضاع إرادة الشعوب، وتدجين وعيها، وتفريغها من روح المقاومة، حتى تقبل بالظلم باعتباره أمرًا واقعًا.

وهنا تتجلى أهمية ثقافة الشهادة التي تكسر حاجز الخوف، وتحرر الإنسان من الارتهان للإغراءات والتهديدات، وتربطه بقضية الحق والعدل. فالأمة التي تستمد وعيها من القرآن الكريم لا تقيس مواقفها بحجم التضحيات وحدها، وإنما بعدالة القضية التي تتحرك من أجلها، وبما تحققه من حماية للإنسان وصون لكرامته وحقوقه.

ومن أبرز المضامين التي تستحق التوقف عندها، كشف الفجوة بين الشعارات التي ترفعها القوى الكبرى وممارساتها على أرض الواقع؛ فالحديث عن الحرية وحقوق الإنسان والسلام لا تكون له قيمة حقيقية ما لم ينعكس في السياسات والمواقف، ولا سيما تجاه الشعوب المستضعفة.

وقد استحضر السيد القائد النموذج الأمريكي وما يمتلكه من إمكانات عسكرية واقتصادية وإعلامية هائلة، متسائلًا عن حجم الخير الذي كان يمكن أن يتحقق للبشرية لو وُظفت تلك الإمكانات لحماية الإنسان وإعمار الأرض بدلًا من الحروب والتدمير والتدخلات، وهي رسالة تتجاوز الشعارات إلى ضرورة محاكمة السياسات بمعيار نتائجها على حياة الشعوب.

وفي السياق نفسه، تبرز القضية الفلسطينية شاهدًا على أن استضعاف الشعوب أو مسالمتها لا يضمن حمايتها من الأطماع والاعتداءات؛ الأمر الذي يجعل امتلاك أسباب القوة والمنعة ضرورة لحماية الأوطان، لا غاية منفصلة عن الحق والعدل.

 فالجهاد، وفق المضامين التي تناولتها كلمة السيد القائد، يرتبط بمواجهة العدوان ودفع الظلم وحماية المستضعفين، وتتحول خطورته إلى انحراف حين يُفصل عن القيم والضوابط التي تمنع البغي والاعتداء.

أما على الصعيد اليمني؛ فقد حملت الكلمة رسالة واضحة إلى نظام العدو السعودي بضرورة وقف العدوان والحصار، محذرة من تبعات استمرار التصعيد، كما دعت إلى التعامل بوعي مع الروايات المتداولة بشأن استهداف اليمن للمقدسات وحصار تعز واستهداف أبناء المحافظات الجنوبية.

وتقتضي أهمية هذه القضايا أن تُناقش الوقائع والأدلة بعيدًا عن الدعاية المتبادلة، وأن تُقدَّم الحقائق المتعلقة بالوصول إلى الغذاء والدواء وحرية التنقل، وطبيعة العمليات العسكرية، بما يتيح للرأي العام التحقق من الادعاءات وتحديد المسؤوليات.

إن إحياء ذكرى الشهداء يكتسب معناه الأعمق حين يتحول إلى التزام بالعدل، ورعاية أسر الشهداء، وصون كرامة الإنسان، وتعزيز التماسك المجتمعي، ورفض تحويل الدين إلى غطاء للمصالح والصراعات؛ فالشهداء، في الوعي القرآني، يمثلون نموذجًا للعطاء والثبات، وتبقى مسؤولية الأحياء أن يجعلوا من تضحياتهم دافعًا لبناء مجتمع أكثر عدلًا ووعيًا، لا أن يكتفوا باستحضار ذكراهم في المناسبات.

وهكذا تتلخص الرسالة المركزية لكلمة السيد القائد في أن حرية الأمة تبدأ بتحرير وعيها من الخوف والتضليل، وأن الشعارات لا تُقاس بما تحمله من عناوين براقة، وإنما بما تجسده من مواقف وأفعال؛ فحين يقترن الإيمان بالبصيرة، وتُصان القوة بقيم الحق والعدل، يصبح الإنسان أكثر قدرة على حماية كرامته، وتغدو ذكرى الشهداء مناسبة لتجديد المسؤولية تجاه الوطن والإنسان وقضايا الأمة العادلة.

وهكذا حول سيد القول والفعل الذكرى السنوية للشهيد من مناسبة سنوية إلى عهد متجدد بالوفاء لتضحياتهم، والعمل من أجل وطن مصون الكرامة، وأمة لا تخضع للهيمنة، وعالم تُصان فيه حقوق الإنسان وتُواجه فيه بالحقيقة والعدل والمساواة.

نسأل الله أن يجعل ذكرى الشهداء باعثًا على الصدق والثبات والعمل، وأن يرزقنا البصيرة في المواقف، والإخلاص في المسؤولية، والقدرة على تحويل التضحيات إلى بناء وعدل ووعي، وأن يوفقنا للوفاء للشهداء قولًا وعملًا، ويحفظ للأمة كرامتها وحريتها، ويهديها إلى سواء السبيل.

You might also like