القرآن مشروع نهضة الأمة.. الشهيد القائد يضع حاملي المشروع القرآني أمام مسؤولية صناعة النموذج والتغيير
لا يطرح الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، في الدرس السابع والعشرين من دروس رمضان، قضية الاهتداء بالقرآن الكريم بوصفها مجرد التزام تعبدي أو شعار ديني، بل يقدمها باعتبارها مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والأمة، وصناعة الوعي، وتنظيم العمل، ومواجهة التحديات برؤية واضحة ومنهج منضبط، وتتمحور رسالته حول حقيقة جوهرية، ليس المطلوب أن نتحدث عن القرآن فحسب، بل أن نقدم للناس نموذجاً عملياً يجسد هداياته، ويبرهن على قدرته على بناء الإنسان وتغيير الواقع، ومن هنا، يضع الشهيد القائد حاملي المشروع القرآني أمام مسؤولية الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، ومن الشعارات إلى النتائج الملموسة.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
القرآن في مواجهة غياب الرؤية
ينتقد الشهيد القائد غياب التقديم الحقيقي للإسلام والقرآن باعتبارهما منهجاً لمعالجة مشكلات الأمة وبناء مستقبلها، مشيراً إلى أن الساحة العربية تزخر بالمفكرين والقيادات، لكن القضية الأساسية هي إظهار أثر الهداية الإلهية في الواقع، وتكشف هذه الرؤية عن فجوة بين حضور القرآن في الخطاب وحضوره في صناعة المواقف والقرارات، فقد يُستشهد بالآيات، بينما تظل التصورات المسبقة هي التي تحكم التفكير والعمل، فيتحول النص إلى شاهد على مواقف جاهزة بدلاً من أن يكون مرجعاً لتصحيحها،
ومن هنا، تصبح معركة الوعي مرتبطة بتقديم رؤية قرآنية واضحة، قادرة على الانتقال من تشخيص الأزمات إلى بناء الحلول، ومن تكرار الشعارات إلى تقديم بدائل عملية تمنح الأمة أملاً حقيقياً في التغيير.
الانضباط.. معيار صدق الالتزام
يشدد الشهيد القائد على ضرورة أن يقدم السائرون على هدى القرآن نموذجاً لأمة منضبطة، تمتلك رؤية واضحة، ولا تتحرك وفق الأهواء والعشوائية، وهذه الدعوة تتجاوز الانضباط الشكلي إلى بناء ثقافة تقوم على وضوح الأهداف، وتحديد المسؤوليات، وتنسيق الجهود، وربط العمل بالنتائج، فالأمة التي تتشتت جهودها وتتعارض تحركاتها تعجز عن استثمار إمكاناتها، مهما امتلكت من طاقات وشعارات، فالحماس الذي لا تسنده رؤية يتحول إلى حركة مشتتة، والشعار الذي لا تؤيده الممارسة يفقد قدرته على التأثير. أما المنهج الواضح حين يتحول إلى عمل منظم، فإنه يمنح الجهود معناها وفاعليتها.
نقد الذات.. شجاعة تصنع التغيير
من أبرز مضامين الدرس دعوة الشهيد القائد إلى مراجعة الموروثات والتصورات التي قد تتعارض مع هدايات القرآن، وعدم الاكتفاء بنقد الآخرين مع إعفاء الذات والانتماءات الفكرية من المراجعة، وتؤسس هذه الدعوة لثقافة إصلاحية تجعل الحق معياراً للحكم، لا مجرد الاعتياد أو التعصب للانتماء، فالتمسك بالأخطاء لا يصنع قوة، بل يعطل القدرة على التصحيح ويحول الموروثات إلى قيود تمنع التطور، ومن هنا، فإن الشجاعة الحقيقية تتمثل في الاستعداد للاعتراف بالخلل وتصحيحه، حتى عندما يتعلق الأمر بأفكار اعتاد الإنسان الدفاع عنها، فالمشروع الذي لا يراجع أخطاءه يراكمها.
الثبات أمام الضغوط.. المبدأ فوق حملات التشويه
يستحضر الشهيد القائد قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، مؤكداً ضرورة عدم السماح للضغوط والانتقادات بأن تتحول إلى وسيلة لثني الإنسان عن موقف يؤمن بصحته، وتستند هذه الرؤية إلى أن كثرة الاعتراضات لا تعني بالضرورة خطأ الموقف، كما أن الحملات الدعائية لا ينبغي أن تكون معياراً للحكم على المبادئ، غير أن الثبات المسؤول يظل مرتبطاً بوضوح الدليل والاستعداد لمراجعة الأخطاء، لا بالعناد أو رفض النقد الموضوعي، وهكذا يجمع الدرس بين الاستقلال في الموقف والشجاعة في تحمّل المسؤولية، وبين الثبات على الحق والاستعداد لتصحيح المسار.
القدوة العملية.. حين يصبح السلوك دليلاً
يربط الشهيد القائد مفهوم الشهادة لله بالتحرك العملي في سبيل الله، وإظهار أثر الهداية القرآنية في السلوك والمواقف، فمن يدعو إلى العدل ينبغي أن يجسده في تعامله، ومن يتحدث عن الإصلاح عليه أن يبدأ بمراجعة مواطن الخلل، ومن يرفع شعار المسؤولية ينبغي أن يتحمل تبعات قراراته، وبذلك يصبح السلوك ميدان الاختبار الحقيقي للمبادئ، وتغدو القدوة العملية أكثر تأثيراً من الخطابات المجردة؛ لأن الناس لا يحكمون على الأفكار من خلال الكلمات وحدها، بل من خلال آثارها في الواقع.
معركة إثبات النموذج
تكشف مضامين الدرس عن رؤية تجعل القرآن الكريم أساساً لبناء الإنسان المنضبط، والوعي المستقل، والعمل المنظم، والقدرة على مواجهة التحديات وتصحيح الأخطاء، إن الرهان الحقيقي ليس في رفع شعار القرآن، بل في تقديم نموذج يترجم الإيمان إلى مسؤولية، والرؤية إلى عمل، والمبادئ إلى سلوك، والتشخيص إلى حلول، ومن هنا، تتمثل الرسالة التعبوية الأبرز في ضرورة مغادرة دائرة الاكتفاء بالشعارات، واستنهاض المسؤولية العملية، وبناء نموذج يلمس الناس من خلاله أثر الهداية في الحياة، فالقرآن، في رؤية الشهيد القائد، ليس عنواناً يكتمل برفعه، بل منهج تترتب عليه مسؤوليات، وتظهر حقيقته بقدر ما يصنعه من تغيير في الإنسان والمجتمع، ويقدمه من أمل عملي في بناء الأمة ونهضتها.