القبيلة اليمنية.. صخرة الصمود وحصن الوطن المنيع

ليست القبيلة اليمنية رقماً عابراً في معادلات السياسة، ولا مكوناً اجتماعياً يمكن تجاوزه في حسابات المواجهة والتحولات الكبرى؛ إنها قوة تاريخية متجذرة في بنية المجتمع اليمني، وركيزة أساسية في معادلة الصمود، وخزان اجتماعي زاخر بالمواقف والتضحيات، وحضور ظل عصياً على محاولات الاحتواء والتفكيك عبر مختلف المراحل والمنعطفات، ومنذ ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014م، برزت القبيلة اليمنية بوصفها أحد أبرز مكونات الحضور الشعبي في المشهد الوطني، مؤكدة أن هويتها ومواقفها لا تصنعها الإغراءات ولا تحكمها الحسابات الضيقة، وإنما تتشكل من منظومة راسخة من القيم الإيمانية والوطنية، ومن وعي بطبيعة التحديات التي تواجه اليمن وسيادته واستقلاله.

 

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

 

رهانات التفكيك تصطدم بجدار التماسك

لقد راهنت قوى العدوان على تفكيك النسيج القبلي، واستثمار التباينات الاجتماعية والسياسية، وشراء الولاءات، وتحويل القبيلة إلى ساحة للصراعات الداخلية، غير أن استمرار حضورها في المشهد، وفق ما يعكسه الخطاب القبلي، يقدم صورة مغايرة لتلك الرهانات، فبدلاً من أن تتحول سنوات العدوان والحصار إلى مدخل لتفكيك الروابط الاجتماعية، أصبحت معاناة المجتمع وتضحياته أحد أبرز العوامل التي غذّت مشاعر التضامن والتكافل والصمود، وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات الموقف القبلي، أن القبيلة اليمنية ليست مجرد تجمع بشري تحركه الظروف، بل بنية اجتماعية تمتلك ذاكرة تاريخية وقيمًا متوارثة وقدرة على استعادة تماسكها في اللحظات المصيرية، لقد كشفت سنوات المواجهة أن الرهان على إنهاك الإرادة اليمنية لم يكن كافياً لإخضاع مجتمع يمتلك جذوراً تاريخية عميقة، وأن القوة لا تُقاس بحجم الإمكانات المادية وحدها، بل بمدى تماسك المجتمع وإيمانه بقضيته.

 

التفويض.. عهد ثقة ومسؤولية

ويبرز التفويض المعلن للقيادة ممثلة بالسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله، باعتباره أحد أبرز العناوين السياسية، ودلالة على طبيعة العلاقة التي يراد ترسيخها بين القيادة والحاضنة الاجتماعية، فالتفويض، في هذا السياق، يتجاوز التعبير عن التأييد السياسي إلى إعلان موقف من طبيعة المرحلة وخياراتها الاستراتيجية، وتأكيد الاستعداد لتحمل المسؤولية في مواجهة التحديات، وهو عهد لا يستمد قيمته من الشعارات وحدها، بل من استمرار الثقة المتبادلة، ومن قدرة القيادة على التعبير عن تطلعات المجتمع وصيانة مصالحه، وترجمة التضحيات إلى نتائج تحفظ كرامة اليمنيين وتحقق تطلعاتهم، ومن هنا، فإن هذه العلاقة تمثل مسؤولية متبادلة، فالثقة الشعبية أمانة، والتفويض مسؤولية، والوفاء الحقيقي يقتضي أن تكون مصلحة الوطن والمجتمع هي البوصلة الحاكمة للقرار.

 

النفير.. حين تتحول الهوية إلى موقف

ومن أبرز الرسائل التي يحملها النص أن النفير والجهوزية لم يعودا مجرد استجابتين ظرفيتين، بل أصبحا عنواناً لحالة من الاستعداد والتفاعل الشعبي مع التحديات، فكلما تصاعدت التهديدات، تجددت الدعوات القبلية إلى توحيد الصف ورفع مستوى الاستعداد، في مشهد يعكس استمرار الحضور القبلي وقدرته على التأثير في المعادلة الوطنية، لكن الأهمية الاستراتيجية لهذا الحضور لا تتوقف عند التعبئة، بل تمتد إلى ما تمثله القبيلة من رصيد اجتماعي يمكن توظيفه في حماية السلم الأهلي، وتعزيز التماسك الداخلي، ومواجهة الاختلالات، وإسناد مؤسسات الدولة، فالقبيلة التي توحد صفوفها حول القضايا الوطنية الكبرى تستطيع أن تتحول إلى قوة بناء واستقرار، لا مجرد قوة استجابة للأزمات.

 

 

قبيلة بحجم وطن.. حضور يتجاوز الجغرافيا

إن إعلان النفير والجهوزية في مختلف المحافظات والمديريات والعزل يحمل دلالة على اتساع الحضور القبلي، وعلى أن القبيلة اليمنية لا تنظر إلى التحديات من زاوية جغرافية ضيقة، بل من منظور المسؤولية الوطنية الجامعة،
وهذا الامتداد يمنح الموقف القبلي ثقله السياسي والاجتماعي، ويجعل من وحدة الصف الداخلي عاملاً أساسياً في مواجهة محاولات الاختراق والتفكيك، غير أن الرهان الأكبر يظل في الحفاظ على هذه الوحدة، وصونها من الصراعات والثارات والحسابات الضيقة، وترسيخ قيم العدالة والتكافل واحترام القانون.

 

قوة لا تختزلها حسابات الخصوم

إن القبيلة اليمنية، بما تمتلكه من إرث تاريخي وعمق اجتماعي وحضور وطني، تمثل أحد أهم مكونات القوة والتماسك في اليمن، وقد أثبتت التحولات أن تجاهل هذا المكون أو محاولة استهدافه وتفكيكه رهان يصطدم بواقع اجتماعي شديد التعقيد والرسوخ، فالقبيلة ليست مجرد رجال يُستدعون عند الشدائد، بل مجتمع كامل بقيمه وذاكرته ومواقفه ومسؤولياته، وستظل عظمتها الحقيقية في قدرتها على الجمع لا التفريق، والبناء لا الهدم، وحماية الوطن لا استنزافه؛ لتبقى أصالتها رصيداً لليمن، ووحدتها حصناً لمجتمعه، ومواقفها شاهداً على أن الأوطان لا تحميها المؤسسات وحدها، بل يحميها أيضاً مجتمع متماسك يدرك قيمة الأرض والهوية والسيادة.

You might also like