الهداية القرآنية.. من وضوح المنهج إلى مسؤولية بناء الأمة

في رؤية قرآنية عميقة تضرب جذور الخلل في الوعي الديني، يضع الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، في الدرس الثامن والعشرين من دروس رمضان، الأمة أمام حقيقة جوهرية، أن الله سبحانه وتعالى قدّم هدايته كاملة وواضحة ومبينة، ولم يترك البشر في متاهة البحث عن الطريق، وإنما جعل القرآن منهجاً متكاملاً للحياة، والمطلوب من الإنسان هو الاستجابة والاتباع وتحويل الهداية إلى واقع وموقف وعمل، لكن المعضلة، كما تكشف مضامين الرؤية، ليست في غياب الهداية، بل في طريقة تعامل الناس معها؛ حين يتحول القرآن إلى مادة للقراءة والمعرفة المجردة، بدلاً من أن يكون منطلقاً للعمل والتغيير، وحين ينحصر مفهوم التدين في دائرة العبادات الفردية، بينما تُهمَّش المسؤوليات الكبرى التي أرادها الله للأمة.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

 

 

هداية واضحة.. ومسؤولية لا تحتمل التهرب

يؤكد الشهيد القائد أن القرآن كتاب مبين وآياته بينات، وأن وضوح الهداية يضع الإنسان أمام مسؤولية مباشرة، أن يسمع ويتبع ويلتزم،  فالقضية ليست امتلاك المعلومات الدينية أو الإكثار من البحث النظري، بل امتلاك الإرادة الصادقة للاستجابة لما جاء به الله، وترجمة تعاليمه إلى سلوك ومواقف عملية،  وهنا تتجلى خطورة الانفصال بين المعرفة والعمل؛ فليس المطلوب أن يبقى الإنسان أسير التلقي والتكرار، وإنما أن يتحول القرآن في حياته إلى منهج يحدد اتجاهه ويصنع وعيه ويقود مواقفه.

القرآن مشروع لبناء أمة لا لصناعة تدين منعزل

من أهم مرتكزات هذه الرؤية أن الهداية الإلهية لم تُقدَّم لبناء أفراد منعزلين، ينشغل كل واحد منهم بخلاصه الشخصي، وإنما لبناء أمة واحدة، متماسكة، تحمل مسؤولية إقامة الدين والقسط،
فالإنسان، وفق هذا التصور، ليس كياناً منفصلاً عن مجتمعه، بل لبنة في بناء كبير، تتكامل فيه الأدوار وتتضافر فيه الجهود، ومن هنا تأتي أهمية فهم الخطاب القرآني الذي يخاطب الناس بقوله تعالى: {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}، و{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}، و{كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}،
إنها تكاليف تؤكد أن الدين مسؤولية تتجاوز حدود الفرد، وأن إقامة العدل وإصلاح المجتمع وبناء الأمة ليست قضايا هامشية أو أعمالاً تطوعية منفصلة عن جوهر الرسالة الدينية.

النظرة الفردية.. الثغرة التي عطّلت مساحة واسعة من الدين

يشخّص الشهيد القائد خطأً خطيراً في الوعي والممارسة، يتمثل في اختزال الدين في الصلاة والصيام والحج والذكر والصدقة، ثم التعامل مع بقية المسؤوليات القرآنية باعتبارها مهام جماعية لا تعني الفرد مباشرة، وهكذا ترسخت نظرة جعلت الإنسان يرى نفسه مكلفاً بما يستطيع إنجازه منفرداً فقط، فإذا واجه خطاباً قرآنياً يتطلب عملاً جماعياً أو موقفاً عاماً، بدأ يتراجع ويتذرع بعدم الاستطاعة، والنتيجة أن مساحة واسعة من الدين غابت عن واقع الأمة، وتقلص مفهوم الالتزام إلى ممارسات فردية، فيما تراجعت مسؤوليات التعاون والتكافل وإقامة القسط ومواجهة الاختلالات، وهنا تكمن خطورة هذا الانحراف، أن يتحول التدين إلى دائرة مغلقة، ينشغل فيها الفرد بصلاح نفسه، دون أن يشعر بمسؤوليته عن صلاح المجتمع الذي يعيش فيه.

العبادات بلا أثر.. أزمة تتجاوز المظاهر إلى حقيقة الممارسة

وفي تشخيص بالغ الأهمية، يطرح الشهيد القائد تساؤلاً عن واقع أمة تضم ملايين المصلين والصائمين والحجاج والمسبحين، لكنها لا تعكس في واقعها مستوى هذه الممارسات من القوة والعدل والإصلاح والتماسك، فكثرة المظاهر التعبدية لا ينبغي أن تحجب السؤال الأهم، ما أثر الدين في حياتنا؟ وهل تحولت العبادات إلى وعي ومسؤولية وسلوك يغير الواقع؟
إن الصلاة والصيام والزكاة وسائر العبادات ليست غايات شكلية معزولة، بل لها مقاصد وآثار تربوية وأخلاقية واجتماعية، ومن الخطأ أن تنحصر في أداء ظاهري لا يتجاوز حدود الممارسة الشخصية، بينما يبقى المجتمع مثقلاً بالاختلالات والظلم والتفكك،  وهنا تبرز ضرورة مراجعة الأداء الديني للأمة، واستعادة التكامل بين العبادة والعمل، وبين صلاح الفرد ومسؤوليته تجاه الآخرين.

بناء الأمة.. المعيار العملي لحضور الهداية

إن الرسالة المركزية لهذه الرؤية هي أن القرآن جاء ليصنع أمة فاعلة، لا جماعات متفرقة، وليؤسس واقعاً يقوم على العدل والتعاون وتحمل المسؤولية، وهذا البناء لا يتحقق بالأماني والشعارات، بل بوعي جماعي، وإرادة عملية، وتكامل في الأدوار، واستعداد لتحمل التكاليف.

ختاما ..

يضع الشهيد القائد الأمة أمام مراجعة جذرية لمفهوم التدين، فلا يكفي أن نقرأ القرآن دون أن نتحرك به، ولا أن نؤدي العبادات دون أن نستوعب مسؤولياتها، ولا أن ننشغل بصلاح أنفسنا بينما نتجاهل واجبنا تجاه مجتمعنا وأمتنا، إنها دعوة للخروج من أسر التدين الفردي المنعزل، واستعادة القرآن باعتباره منهجاً لبناء الإنسان والأمة، وتحويل الإيمان إلى موقف، والعبادة إلى مسؤولية، والهداية إلى عمل وتغيير.
فالدين ليس مجرد أعمال يؤديها الإنسان لنفسه، بل رسالة ومسؤولية وبناء أمة؛ والسؤال الذي ينبغي أن يهز ضمير كل فرد، أين أثر القرآن في واقعنا؟ وأين موقعنا من المسؤولية التي حمّلنا الله إياها؟

You might also like