على مرأى ومسمع العالم: دماء المدنيين تُسفك بصمت في اليمن

يمانيون| بقلم: صدام عمير

منذ انطلاقة العدوان السعودي الامريكي على اليمن في عام 2015م، لم تقتصر آلة الحرب التي قادها تحالف العدوان على استهداف المواقع العسكرية فحسب، بل امتدت يد الدمار لتطال كل تفاصيل الحياة في اليمن، وحوّل المعتدون الأعيان المدنية والبنية التحتية إلى بنك أهداف مكشوف؛ فقُصفت الأسواق الشعبية المكتظة بالبسطاء، واستُهدفت المدارس التي كانت تفترض أن تكون ملاذاً آمناً للعلم، ودُمّرت المساجد والمستشفيات، بل وحتى المقابر لم تسلم من وحشية القصف.

أطفال ونساء سقطوا أشلاء في غارات غادرة، في ظل مساعٍ ممنهجة لتركيع الشعب اليمني وكسر إرادته وثباته، واليوم، ومع عودة التصعيد الأخير من قِبل العدو السعودي بعد عجزه الميداني وفشل مرتزقته وعملائه في تحقيق أي تقدم أو إنجاز على الأرض، يتكرر المشهد الدموي ذاته بذات القسوة والبرود؛ فحين تضيق السبل بالمعتدي في ساحات المواجهة، يعاود اللجوء إلى خياره الأسهل والأكثر جبناً: استهداف المدنيين وقصف الأسواق والأحياء السكنية المأهولة لتعويض إخفاقاته العسكرية.

هذا الإمعان المستمر في إراقة الدماء يكشف مجدداً السقوط الأخلاقي والإنساني، ليس فقط للعدو، بل للمنظومة الدولية برمتها التي تقف موقف الشاهد الصامت؛ فعلى مدار سنوات المعاناة، صمتت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، وغابت الأصوات التي تُفترض أنها تمثل الضمير الإنساني أو الديني، وكأن دماء أطفال اليمن ونسائه لا تثير اهتماماً ولا تستدعي حقاً في الحياة.

لقد أسقطت سنوات المحنة في اليمن كل الأقنعة عن وجه “المجتمع الدولي”، وبددت كل أوهام العدالة الإنسانية التي يتشدق بها العالم؛ فعالمٌ يرى أطفال اليمن يُحرقون بصمت ويجوعون بالحصار، ثم يغض الطرف تعامياً ومجاملةً على حساب أشلاء الأبرياء، هو عالمٌ فقدَ آخر ما يتبقّى له من مبررات الوجود الأخلاقي.

إنه عالمٌ لا تثير فيه دماء الآلاف من الأطفال والنساء ساكناً، ولا تحرك فيه ضمائر أشباه المسؤولين إنسانية أو شرف، بل يقايض المبادئ بالمصالح، ويبيع الضمير في أسواق النخاسة السياسية، ليبقى شاهداً أبدياً على سقوط منظومة دولية عرجاء لا تحترم سوى لغة القوة والمال، متجرّدةً من كل معاني القيم والعدالة.

ولم يتقوف السقوط عند حدود السياسة والأمم المتحدة، وإنما امتد ليتعرّى الوجه الآخر من تجار الدين وعلماء البلاط ومشيخات النفاق الديني، الذين ارتدوا رداء الفتاوى المفصلة على رغبات الطغاة؛ فأفتوا بالصمت حيناً، وبالتبرير أحياناً أخرى، وباعوا دينهم وقيمهم بثمن بخس في أسواق الطغيان.

هؤلاء الذين ادّعوا مشيخة العلم والدين، تفرّغوا لتبرير سفك الدماء، وإصدار صكوك الغفران للجلاد، والقعود عن قول كلمة الحق حين استُبيحت حرمات اليمنيين، ليثبتوا أن سقطتهم كانت أفظع، وأن خيانتهم لرسالة الأنبياء والعلماء كانت أشد وقعاً من صمت الساسة والمتفرجين.

ولكن المفارقة الأكثر فضيحة تتجلى حين يمارس الشعب اليمني وقواته المسلحة حقهم المشروع في الدفاع عن النفس، فيتحركون لردع العدوان واستهداف مطارات العدو ومنشآته الحيوية؛ فإذا بالعالم أجمع يستنفر، وترتفع الأصوات المنددة والمتباكية على مصالح المعتدي ومنشآته، متناسين تمامًا آلاف الجرائم والمجازر التي ارتكبت بحق اليمنيين، إنها معايير مزدوجة تكشف بوضوح أن العالم لا يهتم بالضحايا قدر اهتمامه بمصالح القتلة والمجرمين.

وعليه، ليدرك اليمنيون جيدًا أن لا مراهنة تُرجى إلا على الله -سبحانه وتعالى- ثم على ثباتهم، وأن الاعتماد الحقيقي بعد العون من الله -عز وجل- كان ولا يزال على سواعد ابناءه مجاهدو الجيش والأمن وبدعم وأسناد من قبائله الوفية في التعبئة العامة، لا على وعود أممٍ صمتت عن الحق وباعت الضمير في سوق المصالح، ولا على وعّاظ سلاطين ومشيخات باعت الدين بثمن بخس.

إن العدوان مهما اشتد، وصمت العالم مهما طال، لن يكسر إرادة شعب اختار طريق العزة والكرامة، ويبقى الحق اليمني راسخًا وثابتًا رسوخ جباله، لا تنال منه رياح النفاق ولا عواصف التواطؤ.

You might also like