ميلاد الزهراء عليها السلام.. مناسبة تستعيد فيها المرأة المسلمة في عصرنا هويتها ودورها ورسالتها
مع حلول ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، لا يستعيد المسلمون محطة مضيئة من سيرة أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل يقفون أمام نموذج إنساني وإيماني متكامل للمرأة التي جمعت بين الطهر والعلم وقوة الموقف وعظمة الرسالة، ويمنح يوم المرأة المسلمة مضمونًا يتجاوز الاحتفاء إلى الوعي والعمل، باعتبارها النموذج الأسمى الذي ينبغي أن تهتدي به المرأة المسلمة في زمن تتنازعها فيه محاولات التهميش من جهة، والاستغلال والإفساد من جهة أخرى ولهذا اكتسبت المناسبة بُعدًا أوسع حين أطلق عليها السيد القائد اليوم العالمي للمرأة المسلمة، لتتحول ذكرى الميلاد إلى محطة سنوية لإعادة الاعتبار لهوية المرأة ودورها وكرامتها ومسؤوليتها في بناء الأسرة والمجتمع.
يمانيون| محسن علي
يحمل الكتاب عنوان “تلك هي فاطمة الزهراء عليها السلام”»، وهو من إعداد حمود عبدالله الأهنومي، وصدر عن المجلس الإسلامي في صنعاء، حيث يأتي في إطار تربوي وتعريفي يستند إلى القرآن الكريم وأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والروايات التاريخية، بهدف إبراز شخصية الزهراء بوصفها نموذجًا متكاملًا للمرأة المؤمنة، وربط سيرتها بقضايا الأسرة والتربية والمجتمع.
وتكتسب قراءة الكتاب أهمية خاصة مع حلول ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، المناسبة التي ارتبطت بإطلاق السيد القائد اسم اليوم العالمي للمرأة المسلمة عليها، ويعكس هذا التوصيف رغبة في نقل المناسبة من نطاق الاحتفال الرمزي إلى فضاء أوسع، تصبح فيه الزهراء معيارًا لفهم مكانة المرأة ورسالتها، ومصدرًا لمراجعة واقعها وتحصينها من محاولات الاستغلال والتغريب وفقدان الهوية.
الزهراء.. ابنة النبوة وامتداد الرسالة
ينطلق الكتاب من مكانة أهل البيت باعتبارهم قرناء القرآن وتجسيدًا عمليًا لتوجيهاته، ثم يركز على شخصية فاطمة الزهراء باعتبارها ابنة رسول الله وسيدة نساء العالمين، كما يستعرض جوانب من نشأتها في بيت النبوة، ودورها في مساندة أبيها، وحضورها في المراحل الأولى من الدعوة، إلى جانب ما تحمله أسماؤها وألقابها من دلالات الطهر والنور والسمو.
ولا يقدم الكتاب الزهراء بوصفها شخصية منعزلة عن قضايا الناس، بل يبرز حضورها في المجال العام، وقدرتها على التعبير والاحتجاج والدفاع عن الحق، ومن خلال خطبتها ومواقفها، تظهر امرأة تمتلك وعيًا دينيًا ولغويًا وتاريخيًا، وتستطيع أن تحول المعرفة إلى موقف ومسؤولية.
العلم.. أساس السيادة والوعي
يولي الكتاب علم الزهراء عليها السلام عناية بارزة، موضحًا أنها نشأت في بيت تنزل فيه القرآن، وتربت على المعرفة والفهم والوعي، وتكشف رواياتها وخطبها واحتجاجاتها عن شخصية علمية امتلكت قدرة على الاستدلال، وربطت القضايا العامة بالقرآن وأحكام الدين ومصلحة الأمة.
ومن هنا يطرح الكتاب رسالة معاصرة للمرأة المسلمة، مفادها أن الكرامة لا تنفصل عن العلم، وأن المرأة لا تستطيع حماية هويتها أو أداء دورها من دون وعي وثقافة وقدرة على التمييز بين القيم الأصيلة والنماذج المفروضة عليها.
الأسرة.. مدرسة لبناء الأجيال
يستعرض حياة الزهراء الزوجية مع الإمام علي عليه السلام بوصفها نموذجًا لعلاقة تقوم على التعاون والاحترام وتحمل المسؤولية، كما يركز على أن اختيار شريك الحياة ينبغي أن يقوم على الإيمان والعلم وحسن الخلق، لا على المظاهر والتفاخر والمغالاة.
ويتناول كذلك بساطة الزواج والوليمة، مقدمًا ذلك بوصفه حلًا عمليًا لمشكلة المهور المرتفعة والتكاليف المرهقة، فالزواج في النموذج الذي يقدمه الكتاب مشروع لبناء أسرة مستقرة، لا مناسبة للمباهاة الاجتماعية أو التنافس المادي.
أما في مجال التربية، فتبرز الزهراء أمًا صنعت في بيتها جيلًا حمل مسؤوليات كبرى، وربّت الإمامين الشهيدين الأعظمين الحسن والحسين وزينب عليهم السلام على الإيمان والشجاعة والوعي، وبذلك تصبح الأسرة هي المؤسسة الأولى لصناعة الإنسان، ويصبح دور المرأة في التربية بناءً للمستقبل لا مهمة هامشية.
المرأة المسلمة في مواجهة الاستغلال
يناقش المؤلف محاولات استهداف المرأة عبر الحرب الناعمة، وتحويلها إلى أداة للإغواء والاستهلاك وإضعاف المجتمعات، وفي المقابل، لا يقدم نموذج الزهراء باعتباره دعوة إلى العزلة أو الانسحاب، بل نموذجًا يجمع بين الحشمة والعلم، وبين الأسرة والمشاركة، وبين الرقة وقوة الموقف.
ومن هنا، فإن إطلاق ذكرى ميلادها يومًا للمرأة المسلمة يحمل رسالة واضحة: أن المرأة المسلمة قادرة على بناء ذاتها انطلاقًا من هويتها، والمشاركة في نهضة مجتمعها، والدفاع عن قضاياه، من دون أن تفقد كرامتها أو تتحول إلى نسخة مستوردة من نماذج لا تنسجم مع قيمها.
ختاما
يقدم كتاب «تلك هي فاطمة الزهراء» ميلاد الزهراء بوصفه ميلادًا لنموذج متجدد، لا ذكرى تاريخية فحسب، ففي سيرتها تجتمع المرأة العالمة، والزوجة الصالحة، والأم المربية، والإنسانة العابدة، وصاحبة الموقف الذي لا يساوم على الحق.
ومع حلول ذكرى ميلادها، يتحول اليوم العالمي للمرأة المسلمة إلى دعوة عملية لاستعادة هذا النموذج في واقع المرأة: علمًا وكرامة، وأسرةً ووعيًا، ومشاركةً ومسؤولية، فهل تنجح الأمة في أن تجعل من هذه المناسبة بدايةً لإعادة بناء المرأة المسلمة على هدي الزهراء، لا مجرد احتفال ينتهي بانتهاء المناسبة؟
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب