Herelllllan
herelllllan2

جسر أميركي عائم في غزة: منصة للإغاثة أم التهجير؟

يمانيون – متابعات
إنشاء الممرّ والرصيف العائم له جملة أبعاد وأهداف، المعلن والمستتر، أبرزها إيجاد حلّ لتهجير الأهالي، طوعاً تصحبها وعود برّاقة، وذلك بعد فشل سلسلة من محاولات الدول الغربية وهيئة الأمم المتحدة.

راوغت السردية الأميركية الرسمية لصرف الأنظار عن مسؤوليتها المباشرة لاستمرار العدوان على غزة لنحو 6 أشهر، وتموضعت خلف زعم دورها “الريادي” في تقديم الدعم الإنساني وحماية المدنيين، بعد حصيلة قاسية أودت بحياة أكثر من 100 ألف مدني، بين شهيد وجريح ومعوّق، وبحسب بعض الإحصائيات من خارج المنظومة الرسمية للبيانات الأميركية المعتمدة فقد تصل الخسائر البشرية إلى أبعد مما تم ذكره.

انتقل مركز ثقل الاهتمام الإعلامي، الإقليمي والعالمي، حديثاً إلى تدارس خطة واشنطن لإنشاء ممرّ ورصيف بحري عائم على شاطئ غزة، والذي سيستغرق بضعة أشهر لإنجازه في حال صدق الطرف المسؤول، مقابل الإبقاء على الحصار البري مُطبَقاً ومنع دخول الشاحنات المتكدّسة على الجانب المصري من حدود غزة.

ما يهمّنا تناوله في هذا الشأن هو موقع “المشروع الأميركي المقترح” في سياق استراتيجية واشنطن الكونية وأهمية غزة ضمن أولوياتها الما بعد إقليمية، وما يترتب عليها من خطوات تترك تداعياتها على المشهد الجيوسياسي كله.

بداية، التعديلات الميدانية والتحرّكات السياسية الملموسة، بوحي وإشراف من واشنطن، لم تأتِ مفاجئة، وبضمنها الإعلان عن “الممر والرصيف البحري”، بل لما اقتضته نتائج العدوان الذي لا يزال جارياً، من اتخاذ خطوة تبدو بأنها تراجع لكنها في الحقيقة ثمرة مأزقها الإقليمي، بالدرجة الأولى، وتعثّر تقدّم استراتيجيتها على المستوى الدولي، خصوصاً أمام روسيا والصين.

أضحت غزة اسماً معتبراً في الأروقة الدولية بعدما تركها ما يسمّى بالمجتمع الدولي فريسة سياسة الحصار والتجويع لأكثر من عقد ونصف العقد. على المستوى العام، غيّرت غزة ومقاومتها المواقف الدولية لصالح الشعب الفلسطيني، وبدأ بتبنّي شعار التحرير “من النهر إلى البحر” من قبل جمهور واسع من الأجانب المؤيدين للحق الفلسطيني.

وساهم أحد أهم مراكز الدراسات للنخب الفكرية الأميركية ليصحّح البوصلة بعد صمود غزة بمقاومتها وشعبها. وعن غزة قال “معهد كارنيغي” وبالنظر إلى الأمام “فإن العام المقبل سيكون عاماً لغزة (الذي سيشهد) تغيّرات متزايدة – ولن تكون سهلة بأي حال من الأحوال” (دراسة “معهد كارنيغي”، 26 شباط/فبراير 2024). أما “معهد بيكر” لدراسات السياسة العامّة، والذي يترأسه المبعوث الأميركي الخاص إلى غزة ديفيد ساترفيلد، فكان الأسبق في تعريف معركة غزة التي “تسلّط الضوء على خطر التجاوز الاستراتيجي للولايات المتحدة، في وقت تواجه فيه أيضاً تحديات في أوروبا وشرق آسيا، حيث نرى بوضوح إمكانية نشوب نزاع مسلّح مع الصين” (“معهد بيكر”، 17 تشرين الأول/أكتوبر 2023).

وعن حيوية معركة غزة واكتساب تداعياتها أهمية استثنائية نرصد مقولة تفيد “بالتأكيد ستترك تأثيراً لا يمحى على الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بضمنها مستقبل مسار النزاع الصهيوني -الفلسطيني” (يومية “جابان تايمز”، 15 كانون الثاني/يناير 2024).

كما أن دخول اليمن بقوة وبأس شديدين لإسناد غزة دفع النخب السياسية الأميركية إلى حثّ صنّاع القرار على عدم الاستخفاف بما يجري وآفاقه المفتوحة فإن “قوات الحوثي اليمنية دفعت أمن البحر الأحمر وأولويته إلى مرتبة أعلى جديدة أمام صنّاع القرار السياسي (“معهد كارنيغي”، 26 شباط/فبراير 2024).

من الجائز أن إنشاء الممرّ والرصيف العائم له جملة أبعاد وأهداف، المعلن والمستتر، أبرزها إيجاد حلّ لتهجير الأهالي، طوعاً تصحبها وعود برّاقة، وذلك بعد فشل سلسلة من محاولات الدول الغربية وهيئة الأمم المتحدة، منذ الخمسينيات، لتهجير الغزّيين إلى سيناء، وإحلال المستوطنين الصهاينة، وبعد فشل العدوان الصهيوني في فرض التهجير القسري و”إنهاء” القضية الفلسطينية.

وأغفل الإعلان الأميركي الرسمي لإنشاء ممرّ ورصيف عائم إحداثيات الموقع، عن سبق إصرار وترصّد على الأرجح. إذ سيبعد الجسر العائم واحداً ونصف كلم من حقل الغاز الموجود في المنطقة الوسطى من بحر غزة. الأمر الذي يكشف حقيقة نوايا الاستراتيجية الأميركية من وراء ذلك لتعزيز هيمنتها على مصادر الطاقة في العالم.

في البعد التقني ومتطلّبات إنجاز الجسر العائم، يقال إنه سيستغرق نحو شهرين من الزمن، يشارك فيه سلاح البحرية الأميركية بشكل مباشر، بصرف النظر عن هوية صاحب الفكرة التي أثيرت في “مؤتمر باريس للسلام”، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، من أجل “نقل المعونات الغذائية المحمّلة على السفن من مرافئ جزيرة قبرص” بعد إتمام التدقيق بمحتوياتها، ومن ثم إلى شاحنات بعد تفريغها.

وعليه، أرسل سلاح البحرية إحدى أكبر سفنه اللوجستية، يو أس إيه في فرانك بيسون، إلى مياه البحر المتوسط لمباشرة إعمال الإنشاء بطواقم أميركية. بيد أن السيطرة على البقعة الأرضية ما زالت تحت سيطرة قوات الاحتلال، ما يعني أنها عملية “سلِّم واستلم” لفريقين مكمّليْن لبعضهما البعض، وما ينطوي على ذلك من إدامة سيطرة الاحتلال على القطاع، إن تسنّى لها النجاح (الناطق باسم البنتاغون “باتريك رايدر”، 2 آذار/مارس 2024).

الخطة الأميركية المعلنة تنطوي على إنشاء 3 أرصفة وميناء يربطها جسر عائم في مياه عميقة، وترافقها طواقم عسكرية مختصة في الإنشاءات وبناء محطة رسوّ، والقيام بأعمال الصيانة المستدامة بسبب أمواج ورياح البحر. وهذا يتطلّب، بحسب المتطلّبات العسكرية، وجود طواقم عسكرية على الشاطئ وأخرى لصيانة الجسر وضمان أهليته لتفريغ البواخر المقبلة.

أما مسألة توفير الأمن لكل ذلك فصورتها ضبابية في أحسن الأحوال بسبب تعدّد التصريحات بشأنها من الطرفين، الاحتلال والقوات الأميركية. وربما الصيغة الأمثل تكمن في إشراف أميركي من وإلى الجسر العائم والرصيف البحري، واستلام قوات الاحتلال المهمّة قبل مغادرة الشاحنات.

كما أن هنالك عوامل وقدرات متعددة ينبغي الأخذ بها لبناء الجسر، أبرزها آلية وصول المعدات الثقيلة والفترة الزمنية الطويلة التي ستستغرقها في الوصول إلى شواطئ غزة. كما أن تفاقم الأوضاع الإنسانية في عموم القطاع لا تتوقّف والمعونات الشحيحة لا تفي بالغرض، ما يؤثّر على آلية إنجاز الميناء والفترة الزمنية المتاحة.

وعليه تتضح أهمية إنشاء الجسر العائم للمصالح الأميركية أولاً، والذي سيشكّل مبرّراً للقيادات السياسية بإبقاء طواقم حماية عسكرية أميركية في مياه ورمال غزة، وتأمين ما تبقّى من مهام عجز عنها “جيش” الاحتلال في عدوانه.

واستناداً إلى ما تقدّم يستطيع المرء الاستنتاج بغياب احتمال خروج القوات الأميركية من سوريا والعراق وليبيا، طواعية في أي وقت قريب، لأنّ السيطرة على مصادر الطاقة شكّلت دوافع احتلالها لتلك الأراضي والخيرات، والتصرّف بمردودها حصراً بعد حرمان الشعوب العربية من ثرواتها الطبيعية.

*المصدر: موقع الميادين نت

You might also like
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com