من نخبة القوات الخاصة إلى رحاب المسيرة القرآنية.. حسن الملصي أسطورة صنعها الإيمان وحفظها التاريخ

لم يكن العميد الركن حسن الملصي “أبو حرب” مجرد قائد عسكري تخرج من نخبة الكليات الحربية، بل كان “ظاهرة” استثنائية جمعت بين العسكرية المحترفة والروح القرآنية الثائرة بعد أن وجد ضالته في المسيرة القرآنية وقادتها الأطهار والأخيار، وفي الوقت الذي باع فيه ضباط كبار شعبهم ووطنهم للعدو مقابل مناصب وامتيازات بثمن بخس ودراهم وريالات معدودة، اختار الملصي طريقاً آخر: طريق “نجران” الملتهبة، حيث تحول إلى “شبح” أرعب قوات التحالف، وإلى “مدرسة” تخرّج منها جيل من الأبطال لا يعرف الاستسلام، من قيادة القوات الخاصة إلى قيادة جبهات الاختيار الإلهي، ومن تربية الأبناء على الشهادة إلى استشهاده هو ونجله إبراهيم، رسم “أبو حرب” بدمه ملحمة لا تشبه إلا اليمن.. ملحمة عز لا تنحني،هذا هو حسن الملصي.. أسطورة نجران التي لم تمت، بل تجذرت في ترابها.

يمانيون| محسن علي

النشأة والتكوين.. من جبال سنحان إلى نخبة الجيش

ولد الشهيد حسن عبدالله محمد الملصي في الأول من يناير عام 1975م، في قرية “ربد” بوادي الأجبار بمديرية سنحان بمحافظة صنعاء، نشأ في بيئة يمنية أصيلة تشربت قيم الشهامة والرجولة. تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، ثم التحق بالكلية البحرية عام 1998م، لتبدأ مسيرته العسكرية الاحترافية، تميز الملصي بذكاء عسكري حاد وانضباط عالٍ، مما أهله للالتحاق بالقوات الخاصة (نخبة الجيش اليمني آنذاك)، خاض العديد من الدورات التخصصية المتقدمة، منها دورة الصاعقة، وقادة الكتائب (2003م)، وقادة الألوية (2006م)، بالإضافة إلى دورات تخصصية في مكافحة الإرهاب (2004م)، هذا التكوين الأكاديمي والميداني جعل منه رقماً صعباً في المعادلة العسكرية اليمنية.

 

التحول الكبير.. الالتحاق بالمسيرة القرآنية

رغم موقعه الرفيع في هيكلية الجيش، كان الملصي يبحث عن قضية أسمى تتجاوز الأطر التقليدية. جاءت نقطة التحول الكبرى عند لقائه بالسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “يحفظه الله”، يصف الشهيد هذا التحول بقوله الشهير: “لم أعرف ما معنى المسيرة القرآنية إلا عندما قابلت سيدي أبو جبريل.”

كان هذا اللقاء بمثابة إعادة صياغة لشخصية الملصي؛ حيث انتقل من “العقيدة العسكرية التقليدية” إلى “الثقافة القرآنية” التي تمنح المقاتل بصيرة وإيماناً لا يتزعزع، تأثر الشهيد بالجانب السلوكي والديني للمسيرة، وأصبح يرى في الجهاد وسيلة لتحرير القرار الوطني وكرامة الإنسان اليمني، وليس مجرد وظيفة عسكرية.

 

“أبو حرب”.. أسطورة جبهات الحدود

مع بدء العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، لم يتردد الملصي لحظة واحدة في تلبية نداء الواجب، انطلق نحو جبهات الحدود، وتحديداً جبهة نجران، حيث تولى قيادة العمليات النوعية للقوات الخاصة، هناك، تحول إلى “كابوس” يقض مضاجع العدو، لُقب بـ “المحارب الشبح” لقدرته الفائقة على التسلل وتنفيذ العمليات الخاطفة خلف خطوط العدو.لم يكن الملصي قائداً يكتفي بإصدار الأوامر من غرف العمليات، بل كان في مقدمة الصفوف، يحمل سلاحه ويشارك أفراده أدق تفاصيل المعركة، عُرف بتواضعه الشديد وحبه لجنوده، وكان يحرص على بناء علاقة إيمانية وأخوية معهم، مما جعل من وحدته العسكرية قوة ضاربة لا تُقهر.

 

مواقف خالدة.. الولاء للقضية لا للأشخاص

من أبرز المواقف التي سجلها التاريخ للشهيد الملصي، هو رده الحاسم على محاولات ثنيه عن مواصلة القتال في الجبهات. عندما طُلب منه العودة من الجبهة في سياق تجاذبات سياسية معينة، كان رده واضحاً وصريحاً: “نحن هنا نجاهد في سبيل الله ومن أجل كرامة شعبنا، ولن نترك مواقعنا إلا شهداء”، أثبت الملصي أن ولاءه لله وللمسيرة القرآنية وللوطن يفوق أي اعتبارات حزبية أو شخصية، وهو ما تجلى بوضوح في رفضه لكل الإغراءات والضغوط.

 

التضحية الكبرى.. استشهاد القائد ونجله

لم يبخل الملصي بأغلى ما يملك في سبيل الله؛ فقد قدم ابنه “إبراهيم” شهيداً في ميادين الشرف قبل استشهاده هو بفترة وجيزة. استقبل نبأ استشهاد نجله بصبر وثبات المؤمنين، معتبراً ذلك وسام شرف يدفعه لمواصلة الطريق،وفي الثاني والعشرين من سبتمبر عام 2016م، وفي جبهة نجران التي طالما أرعب فيها الأعداء، نال العميد الركن حسن الملصي وسام الشهادة الذي طالما سعى إليه، ارتقى شهيداً وهو في ذروة عطائه الجهادي، مسطراً بدمه الطاهر خاتمة تليق بعظيم مثله.

 

ختاما.. إرث لا يموت

رحل حسن الملصي جسداً، لكنه بقي مدرسة ملهمة لكل الأحرار، ترك خلفه جيلاً من المجاهدين الذين تشربوا منه فنون القتال وأخلاق المجاهدين والتمسك على الثقافة القرآنية، تظل سيرته شاهداً حياً على أن القائد الحقيقي هو من يجمع بين العلم العسكري والبصيرة الإيمانية، وأن النصر لا يصنعه السلاح المتطور فحسب، بل تصنعه القلوب التي امتلأت بحب الله والولاء للقيادة الربانية.

You might also like