Herelllllan
herelllllan2

هوية الدولة اليمنية العادلة (2- 2) / إعداد/ حمود عبدالله الأهنومي

 في الجزء الأول من هذه المقالة، بلغ الحديث إلى محدِّدات هوية الدولة اليمنية العادلة، بعد عرض مفهوم العدالة، وفي هذا الجزء نستكمل بقية المحدِّدات التي نرى أنها تشكل بمجموعها هوية تلك الدولة التي ننشُدها وننشد العمل في بنائها، وثاني تلك المحددات هو:

2- يمنية

ورد عن الهوية اليمنية إشارات شرعية مهمة تجعل اليمنيين يعتزون بهذه الهوية اليمنية إسلاميا، حيث نزلت آيات عديدة في الثناء على أهل اليمن، وأعمالهم التي سبقوا بها في الإسلام، كما وردت أحاديث كثيرة في ذلك الشأن، مثل أنهم يحبون الله ويحبهم، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وأنهم أهل الإيمان، والفقه، والحكمة، ورقة القلوب، ولين الأفئدة، ونصرة الدين والمستضعفين، والثورة على الظالمين، وهي نصوص شرعية تؤسِّس لهوية يمنية مشروعة، لكنها لا ترتبط بالأرض أو المكان بقدر ما ترتبط بالمنهج الإسلامي الإنساني، الذي أخبرت به النصوصُ الشرعية، وهي نصوص تشير إلى أنه سيستمر هذا المنهج على هذه الأرض مطابقا لمقتضى الشريعة المصونة، وإذا كانت هذه الهوية اليمنية تعني منهجا إسلاميا إنسانيا ينطلق من هذه الأرض، فهي هوية عادلة، ويجب الاعتزاز بها، والانطلاق منها، والتأصيل لها.

هذه الهوية هي ما نسميها (هوية الإيمان اليماني)، أو (هوية اليمن الإيمانية)، وهي هوية مُحِقة وإسلامية، وتجافي العصبوية القُطْرية والمكانية والعِرقية والقومية. هذه الهوية التي فهمناها من النص الشرعي جاءت؛ لما يعلم الله من الخيرية والمنهجية العادلة التي ستكون في هذا البلد. ولعلَّ أصدقَ سلوك معبر عن هذه الهوية اليوم هي هذه الثقافة التي ظهرت في تعاملات وأخلاق اليمنيين الذين ينتمون بقوة إلى بلدهم وثقافتهم، مع أوليائهم وخصومهم، وفي الجانب المعاكس ظهرت ثقافة وتعامل أولئك الذين غلب عليهم الانتماء إلى ثقافات أخرى غير يمنية كثقافاتٍ وأخلاقٍ وتعاملاتٍ منحرفة، لا يرتضيها الإسلام ولا تقبل بها الإنسانية.

لقد أكدت السلوكات اليمانية فعلا تلك الأوصاف الشرعية، وتبين فعلا أن هذا الشعب شعب إنساني إسلامي، وبتتبع التاريخ اليمني نجد أنه طالما كان شعبا راقيا تتمثل فيه القيم الإنسانية في تعاملاته في مختلف الظروف كأفضل الشعوب، فهو أقل الشعوب تطرفا، وأكثرها تسامحا طائفيا، ومذهبيا، ومناطقيا. وها هو اليوم – وبينما العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي يحاول زرع الفتن المذهبية والطائفية والمناطقية – يفاجئ هذا العالم بأنه لا يأبه لهذه المفردات العصبوية، كما تبيّن أن من كان مُثْقَلا بهذه الهويات الحقيرة والمنحرفة فإنه لم يَعُد يمنيا، ولا يعتز بيمنيته بحسب الهوية اليمنية التي شرحناها، وإذا بحثنا عمن رأيناه يمارس بشاعة أو فظاعة أو جرائم ضد الإنسانية فسنجد أنه لم يعُد يمنيا، وأنه قد انخلع عن ربقة هويته اليمانية، وانتمى إلى الهوية الشيطانية، فمثلا ترى اليوم أولياء العدوان وعملاءه ذوي هوية شيطانية، وهي الهوية النجدية، الهوية المذمومة باعتبار المنهج الذي خرج منها، وآذى المسلمين، وأدخل الفساد فيما بينهم، ولهذا وجدنا اليمنيين اليوم الذين وقفوا مع العدوان إما أصحاب هوية نجدية شيطانية تحدث عنها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو لا يعتزّون بهويتهم اليمنية بل يهمهم ما يحصلون عليه من الفلوس.

(اليمنية) و (الوطنية)؟

لقد آثرنا استخدام مصطلح (اليمنية) على (الوطنية)؛ لأن مفهوم (الوطنية) بالمعنى السلبي له، يتناقض تماما مع مفهوم الأمة الواحدة التي يريدها الله تبارك وتعالى، وهو مفهوم عصبوي لا إنساني، يَحْرِم الإنسانَ المسلمَ خارج ذلك الوطن من حقوقه؛ لأنه ليس من مواطنيه، على الرغم من أنه وطن وضعت حدودَه اتفاقيةُ سايكس بيكو الاستعمارية، وأسّست به لصراعات قطرية.

لقد انتقد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه أدعياء الوطنية، الذي أكثروا اللهَج بهذا المفهوم، وقلَّل من جدوائية التربية بها، بل وتنبَّأ كاشفا حقيقة مهمة تتحقق يوما بعد آخر بأن هؤلاء اللهِجين بالوطنية نجدهم “هم هم ممن يبيعون الأوطان فعلاً، ممن يبيعون الأوطان”. لكنه لما تحدث عن أهل الهوية الإيمانية قال: “الناس الذين يتجهون في سبيل الله، ومن أجل الله، هم الناس الذين تعتَبَرُ الأوطان غالية لديهم، وتعتَبَر الأعراض عزيزة لديهم، وتعتَبَر الممتلكات هامةً لديهم، فعندما ينطلقون في سبيل الله لا يعني: بأنهم لا يبالون بالوطن، أو أنها على حساب الوطن، أو على حساب الأعراض، أو حساب الناس أبداً” (الدرس التاسع من دروس رمضان). وهذا ما أثبتته للأسف أحداث العدوان على اليمن اليوم، فأولئك الذين تحدثوا عن الوطنية هم اليوم أبعد الناس عن مقتضاها، بينما دافع عن العرض والأرض والكرامة مَن يحملون الهوية الإيمانية.

التعامل مع الواقع

ابتلي المسلمون في هذا الزمان بالحدود القطرية التي أسسها الاستعمار، والتقسيمات التي وضعت حجر أساسها اتفاقية (سايكس بيكو)، وبات لزاما التعامل مع هذا الوضع كواقع، وهو تعاملٌ بالمثل؛ حيث أصبح وضع القطرية والوطنية السلبية واقعا، وبنيَت أشكال دول العالم المعاصر على هذا النحو، بشكلٍ لا يمكن تجاوزه، وحين نتعامل معه كمسلمين لهم نظرة أممية إنسانية، فهو من التعامل بالمثل، في الجانب الإيجابي منه، وهو حماية حقوق مواطنينا، وفي الوقت نفسه نحن غير مستعدين لظلم أهالي الدولة الأخرى، وحين نقر هذا كواقع فإننا يجب أن نعمل على فتح دائرة القطرية هذه للانفتاح على دائرة العربية الإسلامية الأممية، وليس للانغلاق عنها.

هذا التعامل بالمثل يشبه تماما تعامل القرآن الكريم مع ظاهرة الرِّق التي جاء الإسلام وهي واقع منتشر، فلم يملك إلا أن تعامل معها كواقع، ولكنه في نفس الوقت فتح أبواب التحرير، وشرع شرائع كثيرة تحارب هذه الظاهرة، وتجفِّف مصادرها، وتعالجها معالجة حكيمة، ومتأنِّية، ونحن يجب أن نتعامل مع هذه الظاهرة العالمية اليوم على هذا النحو، مع الدعوة في نفس الوقت إلى الوحدة الإسلامية، والأخوة الإسلامية والعدالة للناس جميعا، لا سيما ونحن نتعامل مع الهوية اليمنية على أنها منهج رحمةٍ وخيرٍ وعدلٍ، لا منهج عصبيةٍ وتحيزٍ وانغلاقٍ.

دولتنا إذًا يمنية، تسعى إلى الأمة الواحدة والقوية، تعاملت مع هذا الواقع كواقع لا بد منه، حتى لا تتسبب في ظلم مواطنيها، فتخل بوظيفة مهمة من وظائفها، وهي وظيفة إحقاق العدالة فيهم وحصولهم عليها كاملة.

3- عربية إسلامية

اليمن مهد العروبة، وبلد الإيمان والحكمة والفقه، ولسانها هو العربي الفصيح، وكون العربية محدِّدَ هويةٍ لهذا البلد الإيماني فهو الإقرار بواقعِ لغةِ وثقافة هذا البلد التي تربط أبناءه، حيث هو مجتمع الفقه والحكمة والإيمان، وهم عرب مسلمون، وينتمون للحضارة العربية الإسلامية، و لغتهم لغة القرآن وهي العربية، ومن الصعب أن تتحقق الحضارة الإسلامية المطلوبة وتحقق غايات الله ومرضاته في هذه الأرض إلا من خلال لغة القرآن؛ لأنه الدستور الإلهي الذي يجب اقتفاؤه، ولا يستطيع قائد أو مصلح أن يفهمه إلا من خلال علمه باللغة العربية، وإذا تعلمها صار عربيا، فالعربية لغة وثقافة، وليست عنصرا أو عرقا أو سلالة.

قد يحقِّق شعبٌ من الشعوب حضارة قوية هنا أو هناك، ولكن هذه الحضارة التي لا تعتمد منهج الله كما ورد في القرآن الكريم ليست في مأمن من الوقوع في الزلة والضلال والانحراف والظلم؛ لأنها لا تعرف القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ولا يمكن معرفة القرآن الكريم إلا من خلال اللغة العربية، وبهذا يتضح أن هوية اليمن عربية، من حيث لغتهم وعمقهم الحضاري، وليس من حيث أصولهم ودمائهم.

وتأتي قضية ارتباط هذا المحدِّد (عربية) بـ (إسلامية) إشارةً إلى التأكيد أكثر بأن مناط هذه المحدِّدات في الهوية هو الإسلام بأصلِه المتفَق عليه، وهو القرآن الكريم، وإشارةً إلى انتماء دولتنا العادلة إلى العمق الحضاري لهذه الأمة، وهي الحضارة العربية الإسلامية.

أما كونها إسلامية فإن الدولة التي على شعبنا الثائر أن يشيّد أركانها هي الدولة العادلة، التي تفي الإنسان بحقه، وتعمل على التوازن بين حقوقه وواجباته، توفيه حق نفسه، وتمنع عنه ظلم غيره، إنها الدولة التي تتمحور حول العدل، والعدل لا يمكن تحققه كاملا إلا إذا ارتبطت هذه الدولة بدستور المسلمين الخالد، القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة المجمَع عليها بين جميع المسلمين.

– لا داعي للانهزام

إن إبعاد الدولة العادلة عن مرجعية الإسلام نتيجةً لهجمةٍ شرسةٍ مورست ضد الإسلام من أعدائه، وكان أخطرها صناعة دول الاستكبار لحركات التكفير لتعمل على نقض عرى الإسلام من داخله، وتشوِّهَ أحكامه، وسيره، ومعاملاته، وهذا أخيرا أدّى إلى انهزام بعضِ الصادقين وتخليهم عن مواقفهم الحقة، وسرى الاعتقادُ الخاطئ بوجوب أن يغادر الإسلام حياةَ أبنائه وسلوكَهم وتعاملاتهم، وأن يُحْشَرَ في نطاقٍ ضيقٍ من الحياة العبادية.

إن على من لديه تفسيرٌ عقلاني للإسلام، وقدّم تجربة رائدة في تحقيق العدالة المجتمعية، ولديه مساحة واسعة ومنهجية فاعلة في المراجعة الفكرية والفقهية – أن لا ينهزم لأعداء الإسلام ليحملوه على القول برجعية الإسلام وتخلفه، أو أن يعمل بنفسية من صدّق هذه المقولة. يجب أن لا نقدِّم لهؤلاء خدمةً مجانية تتيح لهم إبعاد الإسلام عن واقع حياتنا.

ثقافتنا كمجتمع يمني هي ثقافة دينية إسلامية قرآنية نبوية، ويُفْتَرَضُ أن ينطلق دستورنا من هذه الثقافة، والقرآن الكريم يأمرنا بأن نحكم بما أنزل الله، ومتيقّنٌ أن حكم الله ليس هو تلك الصورة النمطية التي علِقَتْ في أذهان البعض من سلوكات وتعاملات وأفكار داعش والقاعدة الوحشية. إن من يحاول إخراج النص الشرعي الإسلامي عن واقع الحياة كمن يحاول أن يعالج مرض تخلفنا بما ليس علاجا له، ولا دواء؛ حيث لم يكن الدينُ الحقُّ هو المشكلة أبدا، بل كانت مشكلة المسلمين في معظم العصور تكمن في الطغاة والمستبدين، والمنحرفين، وسادتهم المستكبرين، من اليهود والنصارى. وهذا واقعنا اليوم شاهدٌ علينا، ألم تكن أنظمة العمالة والارتزاق والهوان والبعد عن الله هي أكبر عائق أمام كينونة الأمة التي يريدها الله تبارك وتعالى، وحينما انطلق اليمنيون ليكوِّنوا نواة تلك الأمة هبَّت عليهم أعاصير الطغيان والفساد من كل حدَبٍ وصوبٍ.

لا بد أن نعي أنه لا يمكن أن تكون لنا دولة عادلة أبدا في مجتمعٍ مسلمٍ، ينطلق إيمانيا وروحيا وثقافة وسلوكا وقيما من مفاهيم الإسلام، وهو لا يحيى بروح الإسلام الحق، ولا ينطلق من نصوصه شرعة ومنهاجا، ولا يمكن لحركة تعتمد القرآن دستور حياة لها وهدى تستنير به – أن تتجاهل تصوراته وأحكامه ومبادئه وأخلاقه وقيمه ومنهجيته وأساليبه، وإنه لمن التناقض الكبير أن ندّعي أننا مسيرة قرآنية، ثم لا نعمل ولا نسعى لأن يكون واقعُنا قرآنيا في هوية الدولة وأخلاقها ومبادئها ووظائفها وأعمالها، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا حين تكون أدبيات هذه الدولة منطلقة أساسا من مشروع الله الرباني الذي أنزله الله ليقوم الناس بالقسط؛ قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد25.

 – الدول الغربية ليست نموذجا

يستبعَدُ أن تتحقق عدالة اجتماعية حقيقية في نظامٍ لا يعتمِد منهج الله منهجا له في الواقع، فهذه أمريكا – الدولة الكبرى في العالم، وأكثر دولة تتشدق بمبادئ حقوق الإنسان، والعدالة، والحرية، والكرامة، والحضارة، والثقافة، والسلام، وهي أكثر دولة تحاول إيجاد هذه المفاهيم على واقعها وواقع مواطنيها – فيها من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وبذور الانهيار الحضاري، والجفاف الروحي، والانحراف الأخلاقي والظلم والاستخفاف بمواطنيها ما يجعلها غير جديرة بالنموذجية المثالية التي يحرص المهرولين من أبناء الشرق على إعطائها إياها.

والأهم من ذلك أيضا هو السؤال: هل ما تمارسه من عدوانٍ وظلمٍ واضطهادٍ بحق الشعوب الأخرى يعتبر من العدالة؟ لماذا لا تمنعها ثقافتها العصرية والحضارية من العدوان على الشعوب، واستغلال ثرواتها، وقتل أبنائها؟ لم لا يسأل أولئك المنبهرون بها: لم لم تكف تلك الحضارة عدوان قادتها اليوم على شعبنا؟ لم لا تمنع أنظمة الحكم فيها من قتل الأطفال والنساء؟ لم لا تمنعُهم من تدمير بنيتنا التحتية؟ لم لا تمنعُهم من قتل عشرات الآلاف من أبناء شعبنا اليوم؟ هل القتل يعتبر من العدالة التي تسعى لها الهوية الحضارية الغربية؟ وهل الاستئثار بخيرات الشعوب وقتلها واعتبارها كائنات أخرى لا تستحق الحياة حتى في مواطنها من أساسيات وأخلاقيات هذه الحضارة التي يطالبنا البعض بالسير على خطاها، والابتعاد عن روح الإسلام وهدي القرآن؟

هل ما فعله الأمريكان على سبيل المثال في اليابان، وفي فيتنام، وفي أفغانستان، وفي العراق، وفي فلسطين، ولبنان، وفي اليمن اليوم من ظلم واضطهاد يعتبر أمرا مقبولا في المنطق الإنساني، والضمير العالمي؟ فلماذا إذا نراهن على حضاراتٍ وقيمٍ اتضح بجلاء أنها بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية العادلة، وتبيّن بوضوح أنها أظلم وأطغى، ولا تحقّق معنى الإنسانية، بينما نجد في ديننا أنه دين الرحمة، ودين الإنسانية، ودين الأخلاق والقيم.

ومع ذلك فهم يستهدفون هوية هذه الأمة، والتأثير عليها، بغية أهداف أشار إليها السيد القائد عبدالملك الحوثي في خطاب المولد النبوي 1437هـ قائلا: “الاستهداف لهذه الأُمَّــة جمعاء بهويتها الإسْــلَامية في أَخْلَاقها وفي قيمها، واستهدافٌ لها أيْـضاً كأُمّةٍ؛ بغية تفكيكها وبعثرتها وتمزيقها والسيطرة التامة لها والاخضاع لها والإذلالِ لها والاستعباد لها، وبُغية الاستغلالِ لها إنْـسَـاناً وأرضاً وخيراتٍ وثروةً، هذا الوقعُ المأساوي الذي تعيشُه الأُمَّــة، هذا الواقعُ المظلمُ الذي وصلت إليه الأُمَّــةُ نتيجةَ انحرافِ الكثير من المحسوبين عليها من الأنظمة ومن القوى السياسية ومن داخل الشعوب، أيْـضاً انضمام الكثير إلَى صفِّ الأَعْـدَاء خيانةً وعمالةً وتآمراً وكيداً ومكراً بهذه الأُمَّــة وبأبنائها وبهُويتها وبوجودها الحضاري بكله”.

– لا سنية ولا شيعية

حين يتم طرح (إسلامية الدولة) يخشى البعض من وقوعها في براثن الطائفية، والمذهبية التي تعجُّ بها المنطقة اليوم، ويدّعي هذا البعض أن الإسلام متعدد الرؤى والتفسيرات، ولا بد من اطراح الإسلام جميعا حتى نأمن التفسيرات المذهبية، وهذه نظرة قاصرة، وانهزام مبكر، وتسليم سطحي أن الإسلام هو المذاهب؛ وهو أمر يجانب الصواب، حيث يمكن تفادي هذه التفسيرات الضيقة، بتعريف هوية الدولة العادلة بالإسلامية بغير المذهبية ولا الطائفية، أي علينا أن نأخذ الهوية الإسلامية الجامعة، ونترك ما عداها، ومنظومة الأخلاق والقيم والعدل وإحقاق الحقوق متفق عليها بين الجميع، ولكنهم يختلفون في تطبيقها، ومن يستحق، ومن لا يستحق، فإذا التزمنا بهوية الإسلام الجامعة فعندئذ نتجاوز التفسيرات والأحكام والرؤى المذهبية، فما أجمع عليه المسلمون ولا سيما المذهبان السائدان في اليمن من الأحكام والتفسيرات مما لا ينكره عقل قويم، ولا شرع قاطع اعتمدناه، وما اختلفوا فيه أو صادم القضايا العقلية المتفق عليها تجاوزناه، وتركناه للحوار بين أهل العلم والرأي، حتى الخروج برؤية جامعة فيه.

لقد ميز الله اليمن بالتسامح المذهبي؛ فلم تكن المذهبية فيه عبر التاريخ عائقا اجتماعيا ولا مشكلة فكرية، وحين نرى فيه حالة مذهبية معينة لا تنسجم مع هذا الوضع فإنها حالة شاذة ولا تعبِّر عن السياق العام لتاريخ اليمن، وتم توظيفها من المتصارعين سياسيا، وهذا يعيننا على الأخذ بالهوية الجامعة، وليس هناك من هوية جامعة غير هوية الإسلام، هوية الإسلام الذي هو أكبر من المذهب والمنطقة والحزب والمكان والطائفة والفئة، ثم إن العدالة التي يجب أن تكوّن هوية الدولة العادلة لا تقبل بالمذهبية، فإعطاء الحقوق لأهلها وإنصاف المظلومين، وتوفية الحقوق لأصحابها، ومنع الظالم من التعدي على الضعفاء، لا يختلف من مذهب لآخر، ووظائف الدولة العادلة أيضا لا تنتمي لمذهب دون آخر، فكل المذاهب تؤيد إحقاق العدل، وردع الظلم، اللهم إلا لمن يعتبر تيار التكفيريين مذهبا إسلاميا، فإن الاقتناع به يعني بلا شكٍّ الظلمَ والاضطهادَ لأبناء الشعب من المذاهب الأخرى.

إننا رأينا التسامح المذهبي حتى في حالة دولة الأئمة الزيديين والتي قد يصنِّفها البعض في خانة الدولة المذهبية، فقد كان الحق والعدل مشهورا فيها ومشهودا، ولم تكن العدالة تلاقي صعوبة مذهبية فيها، لقد أنتج الوضع اليمني المتنوع والفهم الإسلامي الرحب شرائع وأحكاما وقيما ونصوصا فقهية تؤسِّس لحالة العدل بين مختلف فئات المجتمع، ومكوناته، وهذا ما يتسع له باب المعاملات، أما في حالة العبادات والتصورات الفكرية فقد تُرِك كلٌّ وشأنه، ولم يكن هناك مشكلة في هذا إلا حين تريد السياسة توظيف التنوع المذهبي والفكري كوقود عسكري يخدم أجنداتها السياسية والعسكرية الضيقة.

إن الدولة العادلة هي تلك الدولة التي تسعى لتحقيق العدل حتى لمواطنيها من غير المسلمين، فما بالك بمواطنيها المسلمين، وهي الدولة التي تحلِّق بروح الإسلام، وقيمه الأصيلة، وتعاليمه السمحة، والتي لا علاقة لها بالمذهب، بل ولا حتى بدين مواطنيها، إذا ما كان الإطار العام يعترف بمنهج الله عز وجل، كما هو الوضع في دولة المدينة التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على أساس دستور وثيقة المدينة، التي استوعبت فيها حتى اليهود والنصارى والمنافقين.

هذه القوانين التي حكمت اليمن قرونا من الزمن، وأخذها المشرِّع اليمني المعاصر من تراث فقه اليمنيين وتجربتهم الرائدة والطويلة تبيّن أن مشكلة اليمنيين ليست من الأفهام المتعددة للإسلام، كما يحلو للبعض الهروب إليها والتعلل بها، ولكنها من عجزهم عن ترجمة هذه الأحكام والقوانين إلى الواقع، أو من تحايلهم عليها، أو إيثارهم أهواءهم الشخصية على ما يفرضه روحها وقيمها ومبادئها، وهذه الحالة (حالة الانحراف والتقليد الأعمى للغرب) ستكون أكثر تنكيلا بنا في حالة تجاهلنا لانتمائنا الإسلامي.

– ولا عصبوية

هذه الدولة العادلة هي التي تنطلق مع رحاب الإسلام، وتفهم الإسلام فهما عادلا سمحا، بعيدا كل البعد عن فهم الفكر المتطرف والعنفي التكفيري، ترى فيه منهج الله الذي جاء رحمة للعالمين، ومن هذا المنطلق فإن هذه الدولة العادلة تتجاوز العصبويات الضيقة التي لا نجد مثل الإسلام القرآني المحمدي الأصيل فكرا ومنهجا وأخلاقا وتعاملا يحاربها ويضادِدُها، ولا نجد مثله أمضى عليها حجة وبرهانا، وليس هناك من شِرْعةٍ يمكنها القضاء عليها مثل شرعة الإسلام بهداها القرآني ونظرتها الرحموية، وأخلاقها العظيمة. أما الهويات القبلية، والمناطقية، والجهوية، والعنصرية، والحزبية، فإن من يشجعها هم الطغاة والمستبدون والأنظمة الفاشلة والجاهلة والغبية؛ إذ تراهن على هذا الوضع وتلعب عليه حتى تصْرِف اليمنيين عن المنهج الذي يُوْرِثهم الكرامةَ والعزة.

إن الدولة بمفهومها الحديث، والتي تعني السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية في بلد من البلدان، يجب أن تكون أعلى وأرحب من الحزبية الضيقة؛ إذ أكثرُ ما أضر بالدولة هو خلط الحكام بين الدولة ووظائفها الأساسية وبين الحزب والسلطة، ولما استخدم الحزب الواحد سلطات الدولة للاعتداء على من يُفْتَرَض أن تحميهم هذه الدولة تبيّن أن تلك الدولة كانت دولة شكلية، ولا تملك من العمق والسلطات المستقلة والرحابة والاتساع ما يُقْنِع المواطنين بأنها دولة لهم وعليهم، بل اتضح أن القائمين على السلطة مجرد عصابات تشكّلت ضمن أطرٍ حزبية أو شللية أو فئوية أو مصلحية وتقمَّصت دور الدولة، وذهبت لتضرب المواطنين وتقتلهم وتظلمهم، ولهذا حدث ما حدث من التنازع والاختلاف.

لا يمكن أن تكون الدولة دولة عادلة إلا إذا تم إيجاد صيغة متوازنة عادلة بين السلطات الثلاث، وتم فصلها عن بعضها، وتم احترام القانون، ومبادئ الدولة العادلة، وكانت السلطة القضائية والتشريعية ومؤسسات الدولة السيادية ووظائفها العامة كالجيش والأمن بعيدة كل البعد عن الافتئات والاستخدام السيء للسلطة من قبل السلطة التنفيذية.

إن اغتصاب وظائف الدولة من قبل السلطة الزمنية ممثلة في الحزب أو في الجماعة الحاكمة أو الشلة المتسلطة، هو الذي أساء للدولة، وأسقط الاحترام لها من قبل مواطنيها قبل غيرهم؛ ولهذا يجب على الحزب أو الجماعة التي تمسك بزمام السلطة أن لا تخلط بين السلطة والدولة، ولا بين أعمال الحزب ووظائف الدولة.

4- عادلة

في ما تقدم من محدِّدات يمكن الوصول بالدولة إلى مكانة الدولة العادلة، ومحدد العدل يجب أن يبقى المحدّد الرئيس الذي يدور عليه مفهوم هذه الدولة العادلة.

ينبغي على الثوار الأحرار أن يسعوا لتحقيق هذه الدولة بهذه الهوية العادلة والإنسانية، وهذا هو الطريق الذي سننقذ به حاضر أنفسنا، ومستقبل أجيالنا من الصراعات والتقمُّصات المزوّرة، والتشكلات الخادعة، التي سرعان ما يتضح زيفها وانحرافها في أقرب اختبار وامتحان.

وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

You might also like
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com