“الهوية الإيمانية اليمانية”.. صمود أمة في وجه عواصف التغريب

حيث تتلاطم أمواج الصراعات الجيوسياسية على شواطئ اليمن، يبرز سؤال الهوية كمركز ثقل يحدد مسارات المقاومة والاستسلام، فبينما يواجه هذا البلد حرباً مدمرة وحصار خانق ومحاولات مستمرة لتمزيق نسيجه الاجتماعي والثقافي، يتجلى مشهدان متناقضان: فئة تهرول نحو الاصطفاف مع العدوان الخارجي، وأخرى تصمد وتدافع عن الأرض والعرض، مستلهمة قوتها من إرث حضاري وديني عميق، هذا التباين الصارخ ليس مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل هو انعكاس لتجذر أو اهتزاز الهوية، هذا التقرير يتعمق في مفهوم “الهوية الإيمانية اليمانية”، مستكشفاً أبعادها الفلسفية، وجذورها القرآنية والنبوية، ودورها المحوري في تشكيل الصمود اليمني، في محاولة لفهم القوى الخفية التي تحرك هذا الصراع الوجودي.

يمانيون| محسن علي

“المرتزقة” والهويات المستعارة.. ثمن التخلي عن الأصالة في زمن المحن

يكشف المشهد اليمني الراهن عن ظاهرة مقلقة تتمثل في اصطفاف بعض أبناء اليمن ضد وطنهم ومجتمعهم، تحت رايات أجنبية، إن تحليل هذه الظاهرة لا يقتصر على الجانب السياسي أو الاقتصادي، بل يمتد إلى عمق أزمة الهوية،فما يجمع هؤلاء “المرتزقة”، على اختلاف مشاربهم الفكرية – من اليساري الاشتراكي العلماني إلى الإسلاموي الوهابي – هو انفصالهم عن “الهوية الإيمانية اليمانية الجامعة”، هذه الهويات، سواء كانت مستوردة من الفكر الوهابي الذي يدين بالولاء للسعودية، أو من النظريات الاشتراكية الغربية، لم تكن يوماً جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والديني لليمن،هذا الانفصال أدى إلى حالة من “التنكر” للهوية الأصيلة، وجعلهم فريسة سهلة للاستقطاب من قبل القوى الخارجية التي تسعى لزعزعة استقرار اليمن، إنها قصة التخلي عن الأصالة، حيث تتلاشى الوطنية أمام الأطماع الخارجية، وحيث يصبح الفرد مجرد أداة في يد من لا يشاركه لا الأرض ولا القيم.

 

“الإيمان يمان والحكمة يمانية”.. تجليات الهوية القرآنية في صمود اليمن

تتجاوز الهوية الإيمانية اليمانية مجرد الانتماء الوطني أو القومي لتلامس جوهر الإيمان الإسلامي الأصيل،فاليمنيون، الذين يُعدون الشعب الوحيد الذي يحتفل بعيد إسلامه، ارتبطوا ارتباطاً وثيقاً بالمصادر النقية للإسلام، وتلقوا تعاليمه على يد صحابة كرام كالإمام علي ومعاذ بن جبل، هذا الارتباط العميق بالقرآن الكريم وعترة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، شكل لهم ضمانة فريدة، وجعلهم مصداقاً لقول النبي: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.

القرآن الكريم، في آيات متعددة، يصف فضائل أهل اليمن ودورهم المحوري في حفظ الدين والتمسك به، ففي سورة الأنعام (الآية 89)، تشير الآية إلى “سنة الاستبدال الإلهي”، حيث يوكل الله قوماً آخرين لحفظ الدين عند كفر الآخرين، وهو ما يتجلى في تمسك اليمنيين بالإيمان اليوم، وفي سورة الحشر (الآية 9)، يصف الله الأنصار بأنهم “تبوؤوا الدار والإيمان”، مشبهاً الإيمان بالوطن الذي يُستوطن، وهو ما يمثله اليمنيون اليوم كـ”دار الإيمان” في مواجهة قوى الكفر، أما سورة المائدة (الآية 54)، فتحدد مواصفات القوم الذين سيأتي بهم الله عند ارتداد البعض، وتصفهم بأنهم “أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم”، وهي صفات تتجلى بوضوح في صمود اليمنيين، هذه الآيات، وغيرها في سورتي محمد والجمعة، ترسم صورة لهوية متجذرة، لا تكتفي بالانتماء الشكلي، بل تتجسد في المواقف والأفعال، وتؤكد أن الإيمان الحقيقي هو أساس العزة والكرامة.

 

“العزة لله ولرسوله وللمؤمنين”..معركة الهوية ضد النفاق والتبعية

في خضم الصراع على الهوية، يبرز مفهوم النفاق كقوة معاكسة تسعى لتقويض تماسك الأمة. القرآن الكريم، في وصفه للمنافقين، يكشف عن خلل عميق في منظومة الولاء والانتماء لديهم، حيث يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويبتغون العزة عندهم، هذا السلوك، الذي يعكس اهتزازاً في الهوية وضعفاً في الثقة بالله، يتناقض تماماً مع المبدأ القرآني القائل بأن “العزة لله جميعاً”، فمن يطلب العزة من أعداء الله، إنما يعبر عن مدى بعده عن الهوية الإيمانية الحقيقية، وعن استعداده للتخلي عن كرامته في سبيل مصالح زائفة.

إن هذا الصراع ليس مجرد معركة عسكرية، بل هو معركة هوية بامتياز، فالمنافقون، الذين يتوهمون أن العزة تأتي من موالاة الأقوياء، يجهلون أن العزة الحقيقية هي لله ولرسوله وللمؤمنين، وكما يؤكد السيد القائد، فإن الشعب اليمني لا يمكن أن يفارق عزته إلا إذا فارق إيمانه، وأن الهوية الأصيلة هي الدرع الحصين الذي يحفظ ثباته في مواجهة التحديات هذه الهوية تفرض على أصحابها أن يكونوا أعزاء وعبيداً لله تعالى وحده، لا لأي قوة أخرى، مما يجعلهم شوكة في حلق كل من يحاول استعبادهم أو إخضاعهم.

 

“سنة الاستبدال الإلهي”: اليمنيون.. ريادة الجهاد في مشهد عالمي متغير

تتجلى حكمة الله وسننه الكونية في “سنة الاستبدال الإلهي”، وهي حقيقة قرآنية تؤكد أن الله يتدخل في أوقات الشدة ليُهيئ ويُوكل قوماً آخرين عند انحراف أو تولي البعض عن دينه، هذه السنة، التي وردت في سورة محمد، توضح أن الله يستبدل قوماً بآخرين إذا تولوا أو بخلوا عن الإنفاق في سبيله، وأن هؤلاء القوم الجدد لن يكونوا كالمفرطين. إن حركة اليمنيين الجهادية اليوم، وصمودهم الأسطوري في وجه العدوان، تُعد تجسيداً حياً لهذه السنة الإلهية، ومظهراً من مظاهر الاستخلاف والتوكيل الرباني في هذا العصر.

 

ختاما..

إن ما يعيشه اليمنيون من اهتداء بالقرآن الكريم وتزكٍ به، لإنتاج مواقف حكيمة وثابتة، هو مصداق عظيم للآيات الكريمة التي تتحدث عن فضائل أهل اليمن ودورهم في حفظ الدين. فاليمنيون، الذين وصفهم القرآن بأن بلدتهم “طيبة” وأن أهلها يتوبون ويهتدون، يمثلون اليوم ريادة الجهاد في العالم الإسلامي، ويجسدون المعنى الحقيقي للهوية الإيمانية التي لا تخاف لومة لائم، وتتمسك بالعزة التي مصدرها الله وحده هذا الصمود ليس مجرد مقاومة عسكرية، بل هو تعبير عن هوية متجذرة، ترفض المسخ والتغريب، وتؤكد أن الإيمان الحقيقي هو أساس العزة والكرامة في مشهد عالمي متغير تتهاوى فيه الهويات وتتراجع القيم أمام ضغوط القوى الكبرى، إنها دعوة للتأمل في قوة الهوية حين تكون متجذرة في الإيمان، وكيف يمكن لها أن تصنع المعجزات في أحلك الظروف.

 

You might also like