تزييف المفاهيم .. من أخطر أدوات وأساليب الحرب الناعمة

لم تعد الحرب الناعمة مجرد نظرية تُدرّس في كليات السياسة أو تُتداول في غرف التفكير الاستراتيجي، بل أصبحت واقعاً معاشاً ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية، ويتصدر تزييف المفاهيم  واجهة هذه الحرب، حيث يجري تفكيك الوعي الجمعي عبر الإعلام، والثقافة، وأنماط العيش، بما يؤدي إلى إنتاج إنسان منزوع الهوية، منزلق القيم، قابل للتطويع والتبعية، وفي مقابل هذا الاستهداف المنظم، برزت المسيرة القرآنية المباركة بوصفها مشروعاً متكاملاً قدّم تشخيصاً دقيقاً للمعركة، ومعالجات عملية واجهت الحرب الناعمة في الميدان الفكري والثقافي والاجتماعي.

يمانيون / أعده للنشر / طارق الحمامي

 

 شواهد واقعية على تزييف المفاهيم
تجلّى تزييف المفاهيم في الواقع العربي والإسلامي عبر نماذج ملموسة، من أبرزها، تحويل مفهوم الحرية إلى مرادف للانفلات الأخلاقي، حيث بات يُنظر إلى الالتزام الديني والأسري بوصفه تقييداً لا قيمة له، وكذلك تشويه مفهوم الحداثة وربطه بالقطيعة مع الدين والهوية، بينما تُقصى أي تجربة تحاول الجمع بين الأصالة والتقدم، وكذا إعادة تعريف الأسرة كنموذج هشّ بلا مسؤوليات واضحة، تحت شعار الاستقلال الفردي، هذه التحولات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة ضخ إعلامي وثقافي مستمر من قبل العدو، حتى تحولت المفاهيم المزيفة إلى حقائق اجتماعية يتداولها الناس دون مساءلة.

 الإعلام والواقع .. كيف صُنعت القناعة؟
في الواقع العملي، لعب الإعلام دوراً مركزياً في ترسيخ هذا التزييف، برامج ترفيهية تُعيد تشكيل الذائقة العامة وتُطبّع السلوكيات الدخيلة، ومنصات تواصل اجتماعي تُضخّم القضايا الهامشية وتُفرغ القضايا المصيرية من مضمونها، وخطاب إعلامي يجرّم المقاومة والوعي، ويُلمّع التبعية والتطبيع للعدو بوصفهما واقعية سياسية.
وقد أثبتت التجربة أن التكرار الإعلامي قادر على صناعة قناعة زائفة، حتى لو خالفت الواقع والمنطق، وهو ما جعل المجتمعات هدفاً سهلاً للحرب الناعمة.

المرأة والشباب .. مجال التطبيق العملي للاستهداف
من أبرز الشواهد الواقعية، استهداف المرأة والشباب، وتسليع المرأة وتحويلها إلى أداة جذب وإغراء باسم الحرية والموضة، وتفريغ الشباب من القضايا الكبرى عبر الإغراق في الترفيه السطحي، والمحتوى الهابط، وثقافة الاستهلاك، وقد نبّه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، إلى هذه الآلية مبكراً، حين كشف كيف استُخدمت المرأة بوصفها مدخلاً سهلاً لتفكيك القيم، وكيف يُدار هذا الاستهداف بذكاء وتدرج حتى يصبح مقبولاً اجتماعياً.

 المسيرة القرآنية .. تشخيص مبكر ومعالجة عملية
في مواجهة هذا الواقع، لم تكتفِ المسيرة القرآنية المباركة بالتشخيص النظري، بل قدّمت معالجة عملية شاملة للحرب الناعمة، انطلقت من القرآن الكريم باعتباره مرجعية وميزاناً للفهم، من خلال تصحيح المفاهيم من الجذور، حيث عملت المسيرة القرآنية على إعادة تعريف المفاهيم الأساسية، منها الحرية باعتبارها تحرراً من العبودية لغير الله، لا انفلاتاً من القيم، وكذلك الكرامة الإنسانية بوصفها التزاماً ومسؤولية، لا استهلاكاً واتباعاً أعمى، والتأكيد على أن الأسرة كنواة استقرار وبناء، لا عبئاً اجتماعياً، وبذلك فقد كان بناء الوعي هو خط الدفاع الأول لمواجهة هذه الحرب، حيث قدّمت المسيرة نموذجاً عملياً للتحصين بالوعي، من خلال ، استمراراية وثبات الدروس الثقافية القرآنية التي رفعت مستوى الفهم والتمييز، وربط القضايا اليومية بالقرآن والواقع السياسي والاجتماعي، وتحويل الوعي القرآني  إلى ثقافة إيمانية عامة، وقد أثبتت التجربة أن المجتمع الواعي أقل عرضة للاختراق الإعلامي والفكري، وأكثر قدرة على الصمود، وفي مقابل الإعلام المضلل، أسست المسيرة القرآنية إعلاماً واعياً ومسؤولاً ، يفضح آليات التضليل ويربط الإعلام بالسياق والقضية، ويعيد الاعتبار للقيم دون انفصال عن الواقع.
وهذا النموذج العملي شكّل شاهداً حياً على إمكانية مواجهة الحرب الناعمة بأدواتها نفسها ولكن بمضمون مختلف.

 النتائج على أرض الواقع
أظهرت الوقائع أن المسيرة القرآنية المباركة حافظت على التماسك الاجتماعي رغم الاستهداف، وكل محاولات تفريغها من القضايا الكبرى باءت بالفشل ، كما أنتجت نموذجاً إنسانياً مختلفاً، قادراً على الجمع بين الإيمان، والوعي، والحضور في الميدان.

وهو ما يؤكد أن الحرب الناعمة ليست قدراً محتوماً، بل معركة يمكن كسبها حين تتوفر الرؤية والمعالجة الصحيحة.

خاتمة
إن تزييف المفاهيم وبناء النموذج البديل يمثلان جوهر الحرب الناعمة وأخطر أدواتها، لكن التجربة الواقعية أثبتت أن المسيرة القرآنية المباركة لم تكتفِ بكشف هذا الخطر، بل وضعت كل ما يلزم لمواجهته، من التشخيص الدقيق، وبناء الوعي، والاعلام المسؤول، والنموذج العملي على الأرض،  ومعركة الوعي مستمرة، لكنها محسومة لمن يمتلك البصيرة، ويستند إلى القرآن كمرجعية، لا كعنوانٍ مجرّد.

You might also like