“العصف المأكول”.. حزب الله يكسر “العمى الاستراتيجي” للصهاينة ويستعيد زمام الردع في ميدان الجنوب

يمانيون |
لم يكن مشهد احتراق الدبابات الإسرائيلية عند تخوم القرى الحدودية مجرد حدث عابر في سياق المواجهة المستمرة، بل كان “انفجار الحقيقة” في وجه منظومة صهيونية غرفت من أوهامها طيلة خمسة عشر شهراً من الهدوء النسبي.

ظن العدو، واهماً، أن حملات الاغتيال الممنهجة والضربات الجوية العنيفة التي استهدفت بنية المقاومة قد أدخلت الجبهة اللبنانية في مرحلة “الجمود السريري”.

لكن ما حدث اليوم، ومع إعلان المقاومة الإسلامية انطلاق عمليات “العصف المأكول”، أثبت أن المقاومة لم تكن تستريح فحسب، بل كانت تعيد صياغة قدراتها وبناء ترسانتها تحت ضغط عسكري واستخباري هائل، محولةً “تشرين” من تاريخ للترقب إلى محطة للانقضاض الاستراتيجي الذي أعاد رسم معادلات القوة من جديد.

“خديعة الهدوء” والسقوط في فخ العمى الاستراتيجي

بينما كان قادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال يرفعون تقاريرهم المطمئنة حول “تفكيك قدرات حزب الله”، كانت عقول المقاومة تدير واحدة من أعقد عمليات التمويه الاستراتيجي في تاريخ الصراع.

استغلت المقاومة فترة ما بعد 27 تشرين 2024 لإعادة هيكلة وحداتها القتالية وترميم منظومات القيادة والسيطرة بعيداً عن أعين الرصد الصهيوني.

انتقل العدو فجأة من حالة “التفوق المعلوماتي” الذي تباهى به، إلى حالة من “العمى الاستخباري” التام. لقد فشلت التكنولوجيا الصهيونية في رصد التحضيرات لعملية “العصف المأكول”، مما أدى إلى مفاجأة استراتيجية أصابت المؤسسة العسكرية بالذهول.

فالمقاومة التي ظنوا أنها انتهت، ظهرت فجأة من “مسافة صفر”، وبدلاً من منطقة دفاع متقدمة كان يحلم العدو بإنشائها داخل لبنان، وجد نفسه غارقاً في وحل القرى الحدودية، حيث تحولت التوقعات الصهيونية إلى خلل بنيوي في التقدير الميداني.

 المناورة المركبة وكفاءة الهيكل القيادي

أثبتت العمليات الأخيرة، ولا سيما التصدي البطولي في بلدات (عيترون، مركبا، والخيام)، أن الهيكل القيادي للمقاومة يعمل بكفاءة تكتيكية عالية جداً.

لم تكن الاشتباكات مجرد رد فعل عشوائي، بل كانت “مناورات مركبة” تجمع بين صد المشاة، واستهداف الآليات بصواريخ دقيقة، والتغطية المدفعية المركزة.

زج العدو بفرقتين مدرعتين (146 و162) في محاولة يائسة لتحقيق “صورة نصر” باهتة يقدمها لمجتمعه المذعور، لكنه اصطدم بحائط صد بشري وناري لا يرحم. مشاهد تدمير الآليات الصهيونية واستهداف تجمعات الجنود في “خلة المحافر” ووادي العصافير” أعادت للواجهة حقيقة أن الميدان اللبناني محرم على الغزاة.

إن قدرة المقاومة على تنفيذ رمايات متزامنة ومنسقة في وقت واحد يعكس تعافياً كاملاً وقدرة على السيطرة والتحكم تتجاوز كل التوقعات المعادية.

“العصف المأكول” وصدمة العمق الصهيوني

في تمام الساعة 19:40 من يوم الأربعاء، انهمرت “زخات الصواريخ المباركة” لتعلن تدشين عهد جديد من الردع. لم تكن مائة صاروخ مجرد أرقام، بل كانت رسائل نارية وصلت شظاياها إلى “حيفا، صفد، وكريات شمونة”.

هذه الموجة العاتية التي حولت الشمال المحتل إلى كتلة من اللهب، كشفت عن فشل ذريع للمنظومات الدفاعية الصهيونية التي وقفت عاجزة أمام فيض الصواريخ والمسيّرات التي حلقت فوق “الجليل الغربي” و”إصبع الجليل”.

إن انتقال الرعب من الحافة الأمامية إلى العمق الاستراتيجي، وهروب المستوطنين إلى الملاجئ بهستيريا جماعية، يؤكد أن المقاومة قد استعادت زمام المبادرة النارية بالكامل.

والاعترافات الصادرة عن إعلام العدو (مثل صحيفة كالكاليست) بأن حزب الله استعاد قوته وبقوة، هي شهادة هزيمة رسمية لمنظومة “الأمن والاستقرار” التي حاول الاحتلال تسويقها لمستوطنيه.

 رسالة “الثغور”.. البيعة المعمدة بالدم

خلف هذا الجهد العسكري الجبار، تكمن روح معنوية صلبة تجسدت في رسالة مجاهدي المقاومة إلى الأمين العام الشيخ نعيم قاسم.

هذه الرسالة التي استُهلت بالسلام على أرواح الشهداء القادة، حملت في طياتها معاني الثبات والولاء المطلق.

هي رسالة “أولي البأس” الذين أكدوا أنهم “طوع البنان” في مواجهة أعداء الإنسانية.

هذه الوحدة بين القيادة والقاعدة، وبين المقاومة وحاضنتها الشعبية، هي الضمانة الحقيقية التي تحطم عليها غدر العدو.

الخاتمة .. الميدان يكتب التاريخ الجديد

إن ما يجري اليوم عند الحدود اللبنانية ليس مجرد اشتباكات حدودية، بل هو “ملحمة كبرى” تؤسس لمرحلة ما بعد الانهيار الصهيوني.

لقد أثبتت عملية “العصف المأكول” أن كل محاولة لفرض واقع جديد على الأرض اللبنانية ستواجه بمفاجآت لم يحسب لها العدو حساباً.

الجبهة التي ظنها الاحتلال أُغلقت، هي اليوم الجبهة التي ستقتلع أوهامه من الجذور.

إن النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين بات تراه العيون في دخان الدبابات المحترقة، وفي صرخات المستوطنين التائهين، وفي ثبات المجاهدين القابضين على زناد العزة في ثغور الكرامة. لقد بدأ العهد الجديد، وكلمة الفصل ستبقى للميدان، والميدان فقط.

You might also like