من معادلة الاستباحة إلى معادلة الردع والمبادرة .. الانتصارات الإيرانية وانتصارات محور المقاومة تعيد الاعتبار للأمة وتؤسس لمرحلة استراتيجية جديدة

شهدت المنطقة خلال فترة الصراع الأخيرة مع العدو الصهيوأمريكي تحولات استراتيجية عميقة فرضتها قوى المقاومة في مواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، لتتبلور اليوم معادلة جديدة أعادت رسم موازين القوة وأعادت الاعتبار للأمة الإسلامية بعد عقود طويلة من الهيمنة والاستباحة والإذلال السياسي والعسكري، وفي قلب هذه التحولات برزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة باعتبارهما القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً في صناعة المتغيرات الإقليمية، عبر تثبيت قواعد اشتباك جديدة أسقطت كثيراً من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

سقوط معادلة الاستباحة

لعقود طويلة عمل العدو الصهيوأمريكي على تكريس معادلة تقوم على التفوق المطلق والقدرة على استهداف أي دولة أو شعب أو قوة من دون خشية من رد مؤثر، وكانت الاعتداءات العسكرية والحروب والحصار والاغتيالات تُنفذ باعتبارها إجراءات أحادية الجانب لا تواجه سوى الإدانات السياسية أو ردود الفعل المحدودة، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن تآكل هذه المعادلة بصورة متسارعة، حيث لم تعد الاعتداءات تمر من دون تكلفة، ولم يعد بإمكان العدو الإسرائيلي أو داعميه فرض إرادتهم بالقوة كما كان يحدث في السابق، فكل اعتداء بات يستدعي رداً، وكل تصعيد بات يواجه تصعيداً مقابلاً، ما أدى إلى انهيار مفهوم “اليد الطولى” الذي اعتمد عليه المشروع الصهيوني لعقود، لقد أسقطت قوى المقاومة فكرة التفوق المطلق، وأثبتت أن امتلاك الإرادة والعقيدة والقدرة على التضحية يمكن أن يغير موازين القوى مهما بلغ حجم الفوارق المادية والتكنولوجية.

محور المقاومة.. من الدفاع إلى المبادرة

أحد أبرز التحولات الاستراتيجية يتمثل في انتقال محور المقاومة من موقع الدفاع ورد الفعل إلى موقع المبادرة والفعل المباشر، فبعد سنوات من التركيز على احتواء التهديدات والدفاع عن الجبهات المختلفة، أصبحت قوى المقاومة تمتلك القدرة على فرض معادلاتها الخاصة وتحديد مسارات المواجهة، وقد برهنت إيران وحلفاؤها على أن قرار المواجهة لم يعد حكراً على واشنطن أو تل أبيب، بل أصبح هناك محور يمتلك القدرة على إدارة الصراع وفق حساباته ومصالحه وأهدافه الاستراتيجية، هذه النقلة النوعية تعكس مستوى التراكم العسكري والتقني والاستخباري الذي حققته قوى المقاومة، كما تعكس نجاحها في بناء منظومات ردع متطورة قادرة على تهديد العمق الاستراتيجي للعدو وإرباك حساباته الأمنية والعسكرية.

معادلة الردع الجديدة

أهم ما أفرزته الانتصارات الأخيرة هو ترسيخ معادلة ردع جديدة تقوم على أن أي اعتداء ستكون له تبعات مباشرة ومؤلمة على المعتدي، لقد أصبح كيان العدو يواجه واقعاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي اعتاد عليه لعقود، فبدلاً من خوض الحروب من موقع المبادرة والاطمئنان إلى غياب الردود المؤثرة، بات مضطراً لحساب نتائج أي خطوة عسكرية قبل الإقدام عليها، نظراً لما يمكن أن يترتب عليها من ردود واسعة ومتعددة الجبهات، وهذا التحول لا يمثل مجرد إنجاز عسكري، بل يعد تحولاً استراتيجياً يطال بنية الصراع بأكملها، إذ ينقل الأمة من حالة التلقي السلبي للعدوان إلى حالة القدرة على فرض التوازنات والردع.

إرادة الجهاد تصنع الفارق

تؤكد التجارب المتلاحقة أن العامل الحاسم في هذه التحولات لم يكن حجم الإمكانات المادية وحدها، بل إرادة المواجهة والثبات والاستعداد للتضحية، ففي مقابل قوى تمتلك أحدث التقنيات والأسلحة وأكثرها تطوراً، نجحت قوى المقاومة في فرض حضورها بفضل امتلاكها مشروعاً عقائدياً وإيمانياً يمنحها القدرة على الصمود والاستمرار وتحمل التضحيات، وقد أثبتت الوقائع أن الجيوش التي تستند إلى العقيدة والإيمان بقضيتها تستطيع أن تحقق إنجازات تتجاوز كثيراً الحسابات العسكرية التقليدية، وهو ما يفسر استمرار صعود محور المقاومة رغم سنوات طويلة من الحصار والعقوبات والحروب.

استعادة كرامة الأمة

لا تقتصر أهمية هذه الانتصارات على بعدها العسكري فقط، بل تتجاوز ذلك إلى بعدها الحضاري والنفسي والمعنوي، فقد أعادت هذه الإنجازات الثقة إلى شعوب الأمة بإمكانية مواجهة مشاريع الهيمنة والانتصار عليها، وبعد عقود من المشاهد التي كرست صورة التفوق الإسرائيلي والغربي، جاءت الانتصارات المتراكمة للمقاومة لتؤكد أن الأمة قادرة على الدفاع عن نفسها وصناعة مستقبلها عندما تمتلك الإرادة والقيادة والرؤية الواضحة، لقد أسهمت هذه التحولات في كسر حاجز الخوف وإعادة الاعتبار لمفهوم العزة والكرامة والسيادة، وهو ما يمثل أحد أهم المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى.

 

مرحلة جديدة في تاريخ الصراع

تشير المعطيات الراهنة إلى أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، فالمعادلات التي حكمت الصراع لعقود تتعرض لتغييرات جوهرية، فيما تتشكل توازنات جديدة عنوانها تراجع قدرة الهيمنة التقليدية وصعود قوى المقاومة كفاعل رئيسي في رسم مستقبل المنطقة، وفي هذا السياق تبدو الانتصارات التي حققتها إيران ومحور المقاومة أكثر من مجرد نجاحات ميدانية مؤقتة؛ إذ تمثل محطة تاريخية في مسار إعادة تشكيل موازين القوة، وترسيخ واقع جديد لم تعد فيه الأمة هدفاً مستباحاً، بل طرفاً يمتلك القدرة على الردع والمبادرة وفرض إرادته في مواجهة مشاريع الهيمنة والعدوان.

ختاما ..

يمكن القول إن أبرز ما أنتجته هذه المرحلة هو الانتقال من معادلة الاستباحة إلى معادلة الردع، ومن موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ومن حالة الإحباط والتراجع إلى استعادة الثقة بقدرة الأمة على صنع الانتصار، وبقدر ما تعكس هذه التحولات نجاحات عسكرية وسياسية، فإنها تؤسس أيضاً لمرحلة تاريخية جديدة عنوانها أن إرادة الجهاد والمقاومة قادرة على تغيير موازين القوى وصناعة مستقبل مختلف للأمة بعيداً عن الهيمنة والإذلال.

You might also like