خناق هرمز.. استراتيجية “الأرض المحروقة” التي حطمت أوهام ترامب ونتنياهو

يمانيون |
​لم يعد الصراع الحالي في المنطقة مجرد مواجهة حدودية أو اشتباك عابر، بل تحول إلى أزمة استراتيجية وجودية هي الأعمق في تاريخ قادة الحرب الصهاينة والأمريكيين على حد سواء.

لقد أظهرت إيران امتلاك أوراق قوة صاعقة، أسقطت أهداف العدوان باعتراف الأوساط الصهيونية ذاتها.

نحن اليوم أمام مشهد مغاير تماماً؛ حيث باتت خيارات “ترامب” فيما يخص فتح مضيق هرمز صعبة وحرجة، وتكاد تجر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة ودموية لا أفق لها، في ظل إصرار إيراني صلب على مواجهة أي عدوان بكل ما أوتيت من قوة واقتدار.

​”مهمة مستحيلة”.. لماذا يرتعد ترامب من فخ هرمز؟

​هذه حرب غريبة في طبيعتها وتوقيتها؛ فهي لم تعد حرباً تهدف لـ “تغيير نظام” كما كان يحلم المحافظون الجدد، بل تحولت في جوهرها إلى حرب لفتح مضيق هرمز.

واليوم، كل المحللين والخبراء العسكريين الذين يكتبون عن “الخيار العسكري” للقيام بذلك يقرون بحقيقة مرة: إنها عملية مكلفة، صعبة، دموية، معقدة، وخطيرة للغاية.

​والأسوأ من ذلك بالنسبة لصناع القرار في واشنطن، هو أنه حتى لو نجحت القوات الأمريكية تماماً وقامت باحتلال ضفتي المضيق، فلا يمكنها بأي حال ضمان حرية الملاحة للسفن.

هذا يعني أنك في الواقع لا تربح “مباراة ربحة”؛ إذ يكفي أن يقوم شخص واحد على بعد بضعة كيلومترات من المضيق بضرب سفينة واحدة، وعندها لن ترغب أي سفينة تجارية أو ناقلة نفط في العبور.

الإيرانيون يدركون أن هذه هي الورقة التي “تثير جنون ترامب”، وهم لا ينحنون بل يزيدون من حدة التهديد، متبنين ما يمكن تسميته “سياسة الأرض المحروقة”.

رسالتهم واضحة: المساس بالبنى التحتية الإيرانية سيؤدي حتماً إلى مساس مماثل وشامل بالبنى التحتية في جميع أنحاء المنطقة والخليج.

​”بن غوريون”.. حين تحول مطار اللد إلى “مضيق هرمز” إسرائيلي

​على مستوى المواجهة المباشرة التي يخوضها الكيان الصهيوني، انتقل الصراع إلى مرحلة “الاستنزاف القاتل”.

لقد باتت الجبهة الداخلية للعدو ساحة مفتوحة على مختلف الاستهدافات، حيث أحدثت الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله دماراً واسعاً غير مسبوق.

​لقد نجح محور المقاومة في فرض معادلة جديدة: “مطار بن غوريون هو مضيق هرمز الإسرائيلي”.

فكما تُهدد إيران بخنق الملاحة العالمية في هرمز، نجحت بالفعل في إغلاق المطار الحيوي للكيان (مطار اللد).

هذا الشلل الجوي يترافق مع حصار بحري خانق؛ فميناء “إيلات” (أم الرشراش) مغلق تماماً منذ عامين، مما حول الكيان إلى جزيرة معزولة تبحث عن مخارج طوارئ.

ثغرات “القبة” وانهيار الروح المعنوية للمستوطنين

​لقد كشف الإعلام الصهيوني بمرارة أن الصواريخ الإيرانية الأخيرة، التي أحدثت خسائر ودماراً كبيراً، قد كشفت ثغرات هائلة في منظومات الدفاع الجوي.

بالأمس فقط، تلقى الجنوب الصهيوني صاروخين ثقيلين تسببا في وقوع 150 إصابة، والمثير للصدمة هو اعتراف المصادر العسكرية بأن أنظمة الدفاع ومحاولات الاعتراض ببساطة “لم تنجح”.

​هذا الفشل لم يكن مجرد خلل تقني، بل هو انهيار لمنظومة الحماية التي كان المستوطنون يثقون بها.

لقد بدأ الكيان يدفع ثمن حروب الاستنزاف التي دخل فيها، والإحصائيات الميدانية والعددية لم تعد لصالحه أبداً، ولا يوجد سبب منطقي للاعتقاد بأنها ستتحسن في المستقبل القريب.

حتى أن المصادر في سلاح الجو الصهيوني بدأت تروج لضرورة “استيعاب الصواريخ المتفرقة” كاعتراف ضمني بالعجز عن صدها، بينما تزايدت تعليمات الحماية المشددة التي تظهر مدى الرعب الذي يعيشه “المغتصبون” داخل الملاجئ.

النزوح المعاكس وبداية التفكك الجغرافي

​ولم يتوقف الأمر عند الدمار المادي، بل وصل إلى اهتزاز الثقة بـ “أرض الميعاد” المزعومة.

لقد بدأت عمليات خروج ونزوح جماعي للمستوطنين من مناطق المواجهة، حيث رُصدت تحركات واسعة للخروج من مصر عبر “طابا” وعبر “العقبة”.

هذا الهروب يعكس حقيقة أن الجبهة الداخلية الصهيونية لم تعد قادرة على تحمل ضغط الصواريخ الثقيلة والدقيقة التي تنهال عليها.

​إن تعطيل مطار بن غوريون، وإغلاق ميناء إيلات، وهروب المستوطنين عبر المعابر البرية، يمثل في مجموعه “إغلاقاً شاملاً” لكيان كان يدعي أنه القوة التي لا تقهر.

لقد تحول الكيان من “مهاجم” يفرض شروطه، إلى “مدافع” يبحث عن سبل للبقاء تحت وابل من الصواريخ التي أظهرت مدى “هشاشة الشاشة” الدفاعية الصهيونية أمام التكنولوجيا الصاروخية الإيرانية المتطورة.

​الختام: زمن المعادلات الجديدة

و​في نهاية المطاف، أثبتت هذه المواجهة أن “أوراق القوة” الإيرانية ليست مجرد شعارات، بل هي واقع ميداني يفرض نفسه على طاولة المفاوضات والحروب.

لقد سقطت أهداف العدوان تحت وطأة الصمود الاستراتيجي، وأدرك قادة الحرب في تل أبيب وواشنطن أن كلفة المساس بإيران والمحور المقاوم ستكون باهظة جداً؛ دمار في الداخل الصهيوني، شلل في المطارات والموانئ، وانهيار للاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز.

​لقد كُتبت في هذه الحرب فصول جديدة من الاقتدار، حيث لم يعد “مطار بن غوريون” رمزاً للسيادة، بل أصبح رمزاً للعجز والارتهان للإرادة الإيرانية التي أثبتت أنها تمتلك المفاتيح الحقيقية للسلم والحرب في المنطقة.

التاريخ سيذكر أن أوهام ترامب ونتنياهو قد تحطمت عند ضفاف هرمز وفي مدرجات مطار اللد المعطلة.

You might also like