مجزرة تنومة.. جرحٌ يمنيٌّ نازف في ذاكرة التاريخ

تمرُّ الأعوام وتتبدل الأزمنة، لكن بعض الجرائم تبقى حيّةً في ذاكرة الشعوب، لا يطويها النسيان ولا تمحو آثارها تقلبات السياسة والتاريخ، ومن بين أكثر الصفحات إيلامًا في الذاكرة اليمنية والعربية، تبرز مجزرة “تنومة” التي ارتكبها النظام السعودي بحق الحجاج اليمنيين عام 1341هـ الموافق 1923م، في واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت ضيوف الرحمن وهم في طريقهم إلى بيت الله الحرام، في تلك الفاجعة الدامية، تحولت قوافل الإيمان إلى أنهار من الدماء، بعدما تعرض آلاف الحجاج اليمنيين العزّل لهجوم غادر وهم في حالة إحرام، لا يحملون سوى زاد السفر وأشواق الوصول إلى مكة المكرمة. فسقط أكثر من ثلاثة آلاف شهيد بين رجل وامرأة وطفل وشيخ، في مشهدٍ جسّد قسوةً غير مسبوقة وانتهاكًا صارخًا لقدسية الحج وحرمة الدم الإنساني.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

مجزرة خارج حدود الإنسانية

وقعت المجزرة في منطقتي تنومة وسدوان بعسير، عندما اعترضت قوات تابعة لعبدالعزيز آل سعود قوافل الحجاج اليمنيين القادمة لأداء فريضة الحج، وتم إطلاق النار عليهم بصورة وحشية، قبل أن تُستكمل الجريمة بعمليات نهب وقتل وملاحقة للناجين، لم تكن تلك الجريمة حادثًا عابرًا أو اشتباكًا عسكريًا كما حاول البعض تصويره لاحقًا، بل كانت عملية إبادة جماعية مكتملة الأركان استهدفت أناسًا عزلًا لا يملكون أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، وقد كانوا في حالة إحرام تجرّدوا فيها حتى من أدوات القتال التقليدية احترامًا لقدسية الرحلة إلى بيت الله الحرام، الناجون القلائل، الذين لم يتجاوز عددهم نحو خمسمائة شخص، نقلوا شهادات صادمة عن حجم الوحشية التي مورست بحق الحجاج، حيث تحدثوا عن أكوام الجثث والنساء الثكالى والأطفال الذين تُركوا بين القتلى، فيما اختلطت تكبيرات الحجيج بصرخات الألم والاستغاثة.

دلالات المجزرة .. الغدر كمنهج سياسي

تكشف مجزرة تنومة عن طبيعة المرحلة التي نشأت فيها دولة آل سعود، والتي اعتمدت على القوة المفرطة وإخضاع الخصوم بالقمع والسلاح، فالمجزرة لم تستهدف جيشًا معاديًا، بل استهدفت حجاجًا مدنيين، ما يجعلها تعبيرًا عن عقلية سياسية قائمة على تصفية الخصوم وبث الرعب لتحقيق الهيمنة والنفوذ، ولهذا لا ينظر اليمنيون إلى تنومة باعتبارها مجرد حادثة تاريخية، بل بوصفها رمزًا مبكرًا لسياسة الغدر والتنكيل لآل سعود التي استمرت لعقود، كما تحمل المجزرة دلالة خطيرة تتعلق بتسييس الأماكن المقدسة واستغلال السيطرة على الحرمين الشريفين في فرض النفوذ السياسي، وهو ما أثار ولا يزال حساسية واسعة لدى الشعوب الإسلامية التي ترى أن خدمة الحرمين مسؤولية دينية وأخلاقية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للبطش أو التسلط.

ذاكرة يمنية لا تنطفئ

رغم مرور أكثر من قرن على المجزرة، لا تزال حاضرة في الوعي الشعبي اليمني، خصوصًا في ظل استمرار التوترات السياسية والحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، ويتعامل كثير من اليمنيين مع ذكرى تنومة باعتبارها جرحًا وطنيًا مفتوحًا، ليس فقط بسبب هول المجزرة، بل لأن الضحايا كانوا حجاجًا ذهبوا طلبًا لعبادة الله فعادوا شهداء على طريق الحرم،
كما أن توثيق شهادات الناجين في الكتب والروايات الشعبية والإعلام اليمني ساهم في إبقاء القضية حيّة، لتتحول المجزرة إلى جزء من الذاكرة الجمعية التي تتناقلها الأجيال بوصفها شاهدًا على مرحلة دامية من تاريخ المنطقة.

بين الماضي والحاضر .. استمرارية الإجرام

استحضار مجزرة تنومة لا ينفصل عن قراءة الواقع السياسي الراهن في السعودية والمنطقة عمومًا، حيث تُطرح تساؤلات حول طبيعة الحكم وآليات التعامل مع المعارضين والمنتقدين، ففي الداخل السعودي، تتحدث تقارير حقوقية دولية عن حملات اعتقال واسعة ضد ناشطين ودعاة وأصحاب رأي، إضافة إلى قيود على الحريات السياسية والإعلامية، وفي المقابل، يظهر تفاوت اجتماعي كبير بين الطبقات الحاكمة وقطاعات واسعة من المواطنين الذين يعانون من أزمات اقتصادية ومعيشية، كما يُنظر إلى التحولات السياسية والتحالفات الإقليمية والدولية التي انتهجتها الرياض خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها امتدادًا لسياسات قائمة على المصالح والاصطفافات الدولية، وهو ما يثير جدلًا واسعًا في الشارع العربي والإسلامي.

الحجاج بين قدسية الشعيرة ومخاطر السياسة

أحد أخطر أبعاد مجزرة تنومة أنها استهدفت شعيرة دينية يفترض أن تكون محمية ومصونة من الصراعات السياسية، فالحج في الوعي الإسلامي يمثل مساحة جامعة للمسلمين على اختلاف شعوبهم ومذاهبهم، وأي اعتداء على الحجاج يُعد صدمة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ولهذا بقيت المجزرة تحمل رمزية خاصة لدى اليمنيين، لأنها ارتبطت بانتهاك حرمة الحجيج أنفسهم، وليس فقط بسقوط ضحايا مدنيين.

اليقين بالمستقبل رغم الجراح

وعلى الرغم من عمق الجراح التي خلفتها المجزرة وما تبعها من صراعات وأزمات، فإن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تظل قادرة على استعادة حضورها والدفاع عن كرامتها، وفي الوجدان الشعبي اليمني، يرتبط الصمود بالإيمان والثبات والتضحية، باعتبارها عناصر أساسية في مواجهة التحديات الكبرى، ولهذا فإن ذكرى تنومة، رغم قسوتها، تحولت لدى كثيرين إلى رمز للصبر والتمسك بالحق وعدم التفريط بالكرامة.

ختاما ..

إن مجزرة تنومة ليست مجرد حادثة تاريخية منسية في أرشيف القرن الماضي، بل جرحٌ عميق ما يزال حاضرًا في الذاكرة اليمنية والعربية، لما تحمله من دلالات إنسانية وسياسية ودينية بالغة الخطورة، فهي تكشف كيف يمكن للسلطة حين تنفصل عن القيم والأخلاق أن تتحول إلى أداة بطش حتى ضد الحجاج وضيوف الرحمن، كما تؤكد أن الدماء المظلومة لا تسقط بالتقادم، وأن ذاكرة الشعوب قادرة دائمًا على حفظ الحقيقة مهما حاول البعض طمسها أو تجاهلها.

You might also like