انهيار السردية الأمريكية.. “التهديد الإيراني” كمظلة لتنفيذ أجندات صهيونية
يمانيون |
لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، يوماً ما، مبنية على أسس من القانون الدولي أو الهواجس الأمنية الحقيقية بقدر ما كانت نتاجاً لمختبرات التضليل في “تل أبيب” التي تُصدر الأوامر لواشنطن لتنفيذها.
اليوم، ومع تكشف الحقائق يوماً بعد آخر، ينجلي الغبار عن مشهد عبثي؛ عدوان أمريكي جرى الترويج له تحت لافتة “الخطر الوشيك”، ليتبين أنه ليس سوى استجابة ذليلة لإملاءات الكيان الصهيوني.
إن الحقيقة الثابتة التي لا تقبل التأويل هي أن هذا العدوان لم يكن إلا لخدمة أمن العدو الإسرائيلي ومحاولة يائسة لترميم ردعه المتهاوي، لكن السحر انقلب على الساحر، وتحولت المغامرة الأمريكية إلى مستنقع استنزاف لم تقتصر تداعياته على الداخل الأمريكي، بل امتدت لتهز أركان الاقتصاد العالمي بأسره
شهادات من قلب المنظومة.. تفنيد أكذوبة “الخطر الوشيك”
في الوقت الذي كانت فيه إدارة ترامب تقرع طبول الحرب، كان العقلاء داخل أروقة الاستخبارات يدركون أن المسوغات المقدمة ليست سوى “أكاذيب تتدفق بسرعة وكثافة”.
يأتي صوت “جون برينان”، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ليضع النقاط على الحروف في شهادة تاريخية تنسف الرواية الرسمية من جذورها.
برينان أكد بوضوح أنه لم يرَ أي معلومات استخباراتية، في أي نوع من التقارير، تشير إلى وجود تهديد إيراني وشيك، سواء على مستوى الصواريخ الباليستية، أو البرنامج النووي، أو حتى في سياق ما يسمى “الإرهاب”.
هذا التصريح ليس مجرد رأي عابر، بل هو إدانة لآلية صنع القرار في واشنطن التي تجاوزت الحقائق لتخلق مبرراً واهياً لاختراق المجال الجوي الإيراني وشن حملات القصف.
إن هذا “الاختراق الممنهج” لم يكن دفاعاً عن النفس، بل كان اعتداءً صارخاً يفتقر لأي غطاء شرعي أو أخلاقي، وهو ما يثبت أن الأكاذيب كانت هي الوقود الوحيد لمحرك الحرب الأمريكي.
اليد الصهيونية المحركة.. نتنياهو يزج بواشنطن في المستنقع
ولا يمكن فهم الاندفاع الأمريكي نحو التصعيد دون النظر إلى “المايسترو” القابع في القدس المحتلة. لقد كان بنيامين نتنياهو هو المحرض الأول والمستفيد الوحيد من زج الولايات المتحدة في هذه المواجهة.
تشير القراءات التحليلية وشهادات المسؤولين الأمريكيين إلى أن ترامب، بوصفه شخصية مندفعة تتصرف وفق حدس غير مدروس أو إملاءات المحيطين به، كان أداة طيعة في يد نتنياهو الذي لطالما حلم بتدمير إيران لضمان تفوق كيانه في المنطقة.
لقد نجح الكيان الصهيوني في دفع الإدارة الأمريكية نحو حافة الهاوية دون أن تكلف واشنطن نفسها عناء التفكير في التبعات.
ويظهر هذا الفشل الاستراتيجي بوضوح في عدم اتخاذ خطوات لضمان إجلاء المواطنين الأمريكيين، أو تعزيز حماية الأنظمة الخليجية التي وجدت نفسها فجأة في خط المواجهة الأول، أو حتى وضع رسالة إعلامية متسقة تبرر هذا الجنون.
إنها حرب “إسرائيلية” بامتياز، نُفذت بأيدٍ أمريكية، وتجاوزت تماماً مؤسسات صنع القرار مثل الكونجرس، الذي أُقصي تماماً عن مشهد قرار الحرب.
صرخات الاستقالة.. اعترافات “جو كينت” وصفعة اللوبي الصهيوني
ولم تتوقف الإدانات عند حدود الاستخبارات، بل وصلت إلى قلب مراكز مكافحة الإرهاب.
استقالة “جو كينت”، مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، كانت بمثابة الزلزال الذي كشف المستور.
في رسالة استقالته المدوية، لم يوارب كينت الكلمات، بل أعلنها صراحة: “إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً لبلادنا”.
لقد شخص كينت الداء بدقة، معتبراً أن هذه الحرب لم تندلع لحماية المصالح القومية الأمريكية، بل كانت استجابة مباشرة لضغوط “العدو واللوبي الصهيوني” داخل الولايات المتحدة.
هذه الشهادة تثبت أن القرار السياسي الأمريكي بات رهينة لمراكز قوى تعمل لصالح كيان غريب، حتى وإن كان ذلك على حساب دماء الجنود الأمريكيين وسمعة واشنطن الدولية.
إن هيمنة “اللوبي الصهيوني” على مفاصل القرار حولت الجيش الأمريكي إلى “مرتزقة” لتنفيذ الأجندات التوسعية الإسرائيلية.
التداعيات الكارثية.. الاقتصاد العالمي في مهب الريح
وبينما كان ترامب ونتنياهو يخططون للانتصار السريع، كانت الحقائق على الأرض ترسم مساراً مغايراً تماماً. تحول العدوان إلى “مستنقع استنزاف” لا قاع له.
زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، “حكيم جيفريز”، لخص المشهد بوصفه هذه الحرب بـ”المتهورة”، مشيراً إلى أن فاتورة هذا التهور دفعها المواطن العادي قبل غيره.
لقد أدت هذه المغامرة إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود عالمياً، وهدر مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لم تعد الأزمة محصورة في النطاق العسكري، بل أصبحت أزمة اقتصادية عالمية تهدد سلاسل التوريد واستقرار الطاقة، مما يثبت أن الحسابات الأمريكية كانت قاصرة وافتقرت لأدنى درجات القراءة الجيوسياسية الصحيحة.
مخاطر الانزلاق العسكري.. المارينز في مرمى النيران
وحذر جون برينان من أن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي إلى كارثة عسكرية لا يمكن احتواؤها.
إن التفكير في نشر قوات المارينز على الجزر أو على طول الساحل عند المضيق هو بمثابة انتحار استراتيجي.
وضع العسكريين الأمريكيين في “مرمى الخطر” داخل هذه المنطقة الحساسة يعني تقديم أهداف سهلة لقوى المقاومة، وهو أمر لا تملك إدارة ترامب مخرجاً عملياً منه.
إن وضعية “المستنقع” التي دخلت فيها واشنطن تعني فقدان المبادرة، حيث تصبح القوات الأمريكية رهينة لردود الأفعال الإيرانية المدروسة والحازمة.
إن غياب المخرج العملي يؤكد أن هذه الحرب كانت تفتقر لـ”خطة خروج”، وهو الخطأ القاتل الذي تكرره الولايات المتحدة في كل مغامراتها الفاشلة، لكنه في الحالة الإيرانية سيكون أكثر كلفة وإيلاماً.
الخاتمة: انتصار الحقيقة وتهاوي الإمبراطورية
في نهاية المطاف، يبقى العدوان الأمريكي على إيران درساً في كيفية سقوط “السرديات الزائفة” أمام صمود الحقائق.
لقد أثبتت الأيام أن إيران ليست هي التهديد، بل إن التهديد الحقيقي للسلم العالمي يكمن في التحالف غير المقدس بين الصهيونية العالمية والإدارة الأمريكية المندفعة.
إن واشنطن اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإنهاء هذا العدوان في أسرع وقت ممكن، ليس حباً في السلام، بل إنقاذاً لما تبقى من هيبتها واقتصادها.
إن الحقيقة التي لا يمكن حجبها بالغربال هي أن إيران خرجت من هذه المواجهة أكثر قوة وتماسكاً، بينما غرقت الولايات المتحدة في مستنقع صنعته يدا نتنياهو، لتبقى صرخة “جون برينان” و”جو كينت” شاهدة على عصر الأكاذيب الذي تقوده واشنطن خدمةً للكيان الصهيوني.
إن انتهاء هذه الحرب ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة حتمية لتفادي انفجار عالمي لن يكون فيه رابح سوى الحقيقة التي تتقشف يوماً بعد آخر.