“حرب الطاقة”.. كيف أعاد العدوان على إيران صياغة انكسار الاقتصاد الأمريكي؟
يمانيون |
لم تكن المغامرة العسكرية التي أقدمت عليها واشنطن، مدفوعةً بالتحريض الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، مجرد حدث عابر في سجل الصراعات الدولية، بل تحولت إلى نقطة تحول جيوسياسي واقتصادي أعادت رسم موازين القوى.وبينما كان المخطط الغربي يهدف إلى محاصرة طهران وإخضاع إرادتها، كشفت الأيام التي تلت اندلاع العدوان عن حقيقة صادمة للإدارة الأمريكية: أن الاقتصاد العالمي، والأمريكي بشكل خاص، هو الرهينة الحقيقية في هذه المواجهة.
اليوم، ومع استمرار تداعيات هذه الحرب في إلقاء ظلالها القاتمة على الأسواق، يجد المواطن الأمريكي نفسه يدفع ثمن الحسابات الخاطئة لقيادته.
إن ما نشهده ليس مجرد تذبذب عابر في الأسعار، بل هو زلزال هيكلي طال أسس المعيشة، ووضع “الهيمنة الأمريكية” أمام اختبار الانهيار الداخلي، حيث ارتدت نيران الحرب من جبهات القتال لتشتعل في محطات الوقود والمتاجر الكبرى داخل الولايات المتحدة.
صدمة مارس.. التضخم ينهش “الحلم الأمريكي”
وفقاً لما أوردته صحيفة “فينينشل تايمز”، فقد سجل معدل التضخم في الولايات المتحدة قفزة مرعبة لتصل إلى 3.3% في شهر مارس وحده. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية جافة، بل هو انعكاس لـ “صدمة طاقة” غير مسبوقة تسببت بها الحرب.
لقد أدركت واشنطن متأخرة أن استهداف دولة مركزية في سوق الطاقة العالمي مثل إيران يعني بالضرورة انتحاراً اقتصادياً بطيئاً.
بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي رسمت صورة قاتمة، وصفت بأنها أول تقرير رسمي شامل يكشف حجم الكارثة.
فقد ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 21.2% مقارنة بالشهر السابق، وهو الارتفاع الشهري الأضخم الذي تسجله الولايات المتحدة منذ عام 1967.
هذا الارتفاع الجنوني وضع الاقتصاد الأمريكي في حالة شلل جزئي، حيث أكد الخبراء، ومنهم “مايك ريت” من بنك “RBC” العالمي، أن ضغط أسعار البنزين أصبح يلتهم الدخل المتاح للأسر، مما أجبر الأمريكيين على تقليص إنفاقهم في قطاعات حيوية أخرى، مسبباً ركوداً يلوح في الأفق.
انهيار الثقة وكسر إرادة المستهلك
لقد تجاوزت آثار العدوان لغة الأرقام لتضرب العامل النفسي الذي يقوم عليه الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي.
كشفت تقارير جامعة “ميتشيغان” ومكتب إحصاءات العمل عن انهيار تاريخي في “مؤشر ثقة المستهلكين”، الذي تراجع إلى مستوى قياسي بلغ 47.6 في أبريل، بعد أن كان 53.3 في مارس.
هذا التراجع يعكس حالة من اليأس لدى الشارع الأمريكي، الذي بات يتوقع بقاء التضخم مرتفعاً عند مستويات 4.8% للعام المقبل.
إن شعور المواطن الأمريكي بأن قيادته تضحي باستقراره المعيشي من أجل مغامرات عسكرية فاشلة خلق فجوة عميقة بين الشعب والسلطة.
المواطن الذي كان يظن أن الحرب بعيدة عنه جغرافيًا، وجدها اليوم تخترق جيبه وتحدد قدرته على شراء السلع الأساسية، مما حول “حرب الطاقة” إلى أزمة هوية واقتصاد داخل كل منزل أمريكي.
المأزق السياسي.. ترامب في مهب الريح
وعلى الصعيد السياسي، يبدو أن العدوان على إيران قد تحول إلى “خطيئة كبرى” تهدد مستقبل دونالد ترامب في ولايته الثانية.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تراجعت معدلات تأييده بشكل حاد نتيجة الضغوط الاقتصادية.
الأرقام التي كشفت عنها “فينينشل تايمز” تشير بوضوح إلى مخاطر سياسية داخلية غير مسبوقة؛ فالتاريخ الأمريكي يؤكد أن الناخب لا يغفر للإدارات التي تخفق في تأمين “رغيف الخبز” و”وقود السيارة”.
ترامب، الذي حاول تسويق الحرب كفعل قوة، يجد نفسه الآن متهماً بجر البلاد إلى مستنقع اقتصادي لا قاع له.
إن التراجع في شعبيته ليس مجرد تقلب سياسي، بل هو نتيجة مباشرة للغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة التي سببتها حماقة المواجهة مع إيران، مما يجعل انتخابات التجديد النصفي بمثابة محاكمة شعبية لسياسة التصعيد العسكري.
االفشل المصرفي واستنزاف الاحتياطيات
لم تكن أدوات الدولة الأمريكية المالية بمنأى عن الفشل. فقد وجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه في “موقف العاجز”، كما وصفه “ستيفن بليتز” كبير الاقتصاديين في “جلوبال داتا” فبينما كان العالم ينتظر خفضاً للفائدة لتحفيز النمو، جاءت الحرب لتجبر الفيدرالي على التوقف، خوفاً من انفجار تضخمي أكبر.
وفي محاولة يائسة للتخفيف من وطأة الأزمة، قامت وزارة الطاقة الأمريكية بسحب وإقراض 8.48 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي.
هذا الإجراء، الذي وصفه مراقبون بأنه “مسكن مؤلم”، لم ينجح في خفض الأسعار بشكل ملموس، بل كشف عن مدى هشاشة الموقف الأمريكي واضطراره لاستنزاف مخزونه الاستراتيجي المخصص للطوارئ القصوى لمواجهة تداعيات حرب كان يمكن تجنبها.
التأثير المتسلسل والتحذيرات الدولية
ولم تقتصر شظايا العدوان على واشنطن وطهران، بل امتدت لتصيب الهيكل الاقتصادي العالمي.
حذر البنك الدولي من أن “الضرر سيكون أعمق بكثير” في حال انهيار الهدنة، مشيراً إلى أن التضخم العالمي قد يرتفع بمقدار 300 نقطة أساس إضافية.
من جانبها، أكدت “كريستالينا غورغيفا”، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أنه لن تكون هناك “عودة سهلة” للوضع السابق.
هذا التصريح يشي بأن العالم دخل حقبة جديدة من غلاء الطاقة، حيث برزت “علاوة مخاطر” دائمة في الأسعار لم تكن موجودة قبل الحرب.
إن انتقال ارتفاع أسعار الوقود إلى قطاعات النقل والزراعة يعني أن العالم مقبل على أزمة غذاء وتكاليف شحن ستدفع ثمنها الشعوب التي تحالفت مع الإدارة الأمريكية أو صمتت عن عدوانها.
الخلاصة: إيران الصامدة وأمريكا المنكسرة اقتصادياً
في الختام، أثبتت الوقائع أن الجمهورية الإسلامية في إيران ليست لقمة سائغة، وأن المساس بها هو مساس بعصب الحياة في العالم أجمع.
لقد ارتد العدوان “الصهيو-أمريكي” وبالاً على صانعيه؛ فبينما تظهر إيران صموداً استراتيجياً، يترنح الاقتصاد الأمريكي تحت وطأة تضخم لم يشهد له مثيلاً منذ عقود، وتواجه إدارته غضباً شعبياً قد يطيح بمستقبلها السياسي.
إن “علاوة المخاطر” التي فرضتها الحرب على أسواق الطاقة هي في الحقيقة “ضريبة الحماقة” التي تدفعها واشنطن.
ولن يعود الاستقرار إلى الاقتصاد العالمي إلا بالاعتراف بحقوق إيران والكف عن سياسات البلطجة العسكرية.
لقد تعلم العالم درساً قاسياً: أن ثمن العدوان على طهران أغلى بكثير من قدرة الإمبراطورية الأمريكية على الاحتمال، وأن “حرب الطاقة” قد تكون المسمار الأخير في نعش الهيمنة القطبية الواحدة.