من قلب النار إلى سجل الخلود: الشهيد اللواء أحمد الحمزي.. المجاهد الذي أعاد للقوات الجوية نبضها

تبرز شخصيات استثنائية, في تاريخ الحروب المعاصرة، لا تقاس قوتها بعدد النجوم على أكتافها فحسب، بل بحجم التحول الاستراتيجي الذي أحدثته في الميدان وبعقولها التي استنارت بنور الله وهداه فعرفته ووثقت به, فحولت المستحيل إلى واقع ، ومن بين هذه الشخصيات تبرز شخصية الشهيدء السعيد اللواء الركن أحمد علي الحمزي، بطلٌ من قادة اليمن العظماء، وعظيمٌ من رجالِها المؤمنين والعقل المدبر الذي قاد عملية “إحياء نبض” القوات الجوية اليمنية في ظل حصار خانق وتدمير شبه كلي للبنية التحتية العسكرية, بل وكان “الشيفرة السرية” التي فكت رموز الهيمنة الجوية لتحالف العدوان الأمريكي السعودي على اليمن.

 

يمانيون| محسن علي

يعد الشهيد اللواء أحمد الحمزي أحد أبرز القيادات العسكرية اليمنية التي ارتبط اسمها بإعادة بناء القدرات الدفاعية الجوية خلال سنوات العدوان والحصار الأمريكي السعودي على اليمن, برز كقائد ميداني وإداري في مرحلة شديدة التعقيد، وكان عنوانًا لمرحلة كاملة، ورمزًا لرجلٍ اختار أن يقف وسط الركام ليعيد ترتيب السماء، ويمنح مؤسسة أنهكتها الحرب فرصة جديدة للحياة ، حيث كانت  المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة تمثلت في الاستهداف المستمر للبنية التحتية الجوية، والحصار، ونقص الإمكانات، والضغوط العسكرية المتواصلة.

 

مدرسة الصبر والابتكار (المسيرة الجهادية)

بدأ اللواء الحمزي مسيرته الجهادية بروحية إيمانية عالية ملتحقا بركب المسيرة القرآنية ، حيث تميز بالانضباط المطلق والزهد في الظهور الإعلامي, والتسليم للقيادة والاستعانة بالله وكانت سيرته ومسيرته نموذجية بحق, ولد في محافظة صعدة مديرية سحار منطقة الحمزات عام 1972، التحق بالعمل في الجانب العسكري الجهادي أثناء الحروب الست على صعدة، تعلم القرآن لدى عدد من العلماء، منهم العلامة الراحل السيد يحيى راويه، تولى عدداً من المهام الجهادية في الجبهات وفي الجانب اللوجستي وفي التصنيع العسكري، تلقى العديد من الدورات العسكرية التخصصية،عمل نائباً لقائد القوة الصاروخية منذ بداية العدوان، عمل على بناء وتطوير القوات الجوية والدفاع الجوي، وتولى قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي، وكان له الدور البارز والأساسي في إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي أُسندت إليه مسؤوليات عليا في القوات الجوية والدفاع الجوي، ليتولى قيادة واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية حساسية، في توقيت كانت فيه القدرات الجوية اليمنية تواجه تحديات وجودية, في وقت ظن فيه العالم أن هذه القوة قد شُطبت من خارطة الوجود.

 

قائد لا يبحث عن الأضواء

بعكس كثير من الشخصيات التي تصنع حضورها عبر الإعلام، اختار الحمزي بوعيه الإيماني العالي وبصيرته المستنيرة طريقًا مختلفًا، حضوره كان في غرف العمليات، في مواقع العمل، وبين الضباط والفنيين، لا أمام الكاميرات، كان قليل التصريحات، كثير الإنجاز,هذه السمة صنعت له هيبة خاصة؛ فالرجل الذي لا يتحدث كثيرًا، حين يتحرك يلفت الجميع.

 

السمات القيادية

تميّز الشهيد اللواء أحمد الحمزي بعدد من الصفات التي تكررت في شهادات المقربين منه ومتابعي الشأن العسكري ومن عرفوا الشهيد  تحدثوا عن صفات أولياء الله النادرة التي تتجلي نادرة في زمن المخاطر والصعاب والحروب:

الحزم والانضباط: كان يُنظر إليه كقائد صارم في إدارة المؤسسة العسكرية، مع تركيز كبير على الالتزام والجاهزية.

العمل بصمت وإخلاص: لم يكن من الشخصيات كثيرة الظهور الإعلامي، بل ارتبط حضوره بالإنجازات الميدانية أكثر من التصريحات ما يشير إلى عظمة اخلاصه لله تعالى في أعماله وهو سر النجاح.

التفكير الاستراتيجي: تعامل مع القوات الجوية باعتبارها عنصر ردع لا مجرد سلاح تقليدي، وهو ما انعكس على خطط التطوير خلال فترة قيادته

القرب من الميدان: أشارت روايات محلية إلى اهتمامه المباشر بمتابعة الجبهات والوحدات الفنية والعسكرية، فلم يكن قائدًا بعيدًا عن الميدان، بل حاضرًا بين ضباطه وجنوده

الإيمان بقدسية العمل : فكان يتعامل مع مسؤوليته كواجب ديني وجهادي لا كمنصب

 

عندما تصبح السماء ساحة حرب

منذ اللحظات الأولى للعدو الأمريكي السعودي على اليمن، كانت القوات الجوية اليمنية هدفًا مباشرًا، المطارات تعرضت للقصف، القواعد العسكرية دُمّرت، البنية الفنية أصيبت بالشلل، والرسالة كانت واضحة: إنهاء أي قدرة جوية يمنية، لكن ما لم يكن محسوبًا في معادلات الخصوم، أن هناك رجالًا مؤمنون يؤمنون بأن الإرادة يمكن أن تبدأ من الصفر.

وهنا هنا بدأ دور اللواء أحمد الحمزي، في لحظة كان كثيرون يعتقدون أن القوات الجوية انتهت، كان هو يعمل بصمت لإعادة تنظيم ما تبقى، وترميم الممكن، وصناعة بدائل من قلب الحصار.

 

ملحمة “الدريهمي”.. كسر المستحيل من السماء

تعتبر معركة الدريهمي (المدينة المحاصرة لمدة عامين) هي “درة التاج” في مسيرة اللواء الحمزي الجهادية، حين أطبق الحصار الخانق على المجاهدين والمواطنين، ومنعت قوى العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي وأدواتهم من المرتزقة المأجورين دخول حبة الدواء أو الرغيف، برز دور الحمزي القيادي:

الجسر الجوي المسير: ابتكر اللواء الحمزي تكتيكاً فريداً باستخدام الطيران المسير اللوجستي، ولأول مرة في تاريخ الحروب الحديثة، تم استخدام المسيرات لنقل الغذاء والدواء والذخيرة بدقة متناهية إلى نقاط محددة داخل المدينة المحاصرة.

كسر الطوق الجوي: لم يكتفِ بالإمداد، بل أدار عمليات استطلاع وهجوم جوي وإغاثة بطائرة الهليكوبتر شتتت تركيز القوات المحاصِرة، مما سمح للمرابطين بالثبات الأسطوري وحول سماء المديرية إلى شريان حياة يمد الآلاف من المواطنين بالبقاء.

الإشراف المباشر: كان الحمزي يتابع إحداثيات الإسقاط الجوي لحظة بلحظة، معتبراً أن إنقاذ طفل في الدريهمي أو إيصال رصاصة لمجاهد هو معركته الشخصية الكبرى.

 

رجل معادلة الردع

مع استمرار التفوق الجوي لتحالف العدوان، أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن مواجهة قوة جوية هائلة بإمكانات محدودة؟

كان جواب الحمزي عمليًا لا نظريًا،عمل على بناء فلسفة جديدة للدفاع تقوم على المرونة، والابتكار، والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة، لذلك ارتبط اسمه بمرحلة شهدت تطورًا ملحوظًا ومتناميا في قدرات الدفاع الجوي ووسائل الردع المحلية، لقد أدرك أن السماء لا تُستعاد بالشعارات، بل بالتخطيط الطويل والنَفَس الصبور والولاء والتسليم للقيادة .

 

دوره في معادلة الردع

في ظل التفوق الجوي الكبير لتحالف العدوان الأمريكي السعودي خلال سنوات العدوان، أصبح تطوير الدفاعات الجوية أولوية قصوى، ويرى مراقبون أن فترة قيادة الحمزي شهدت محاولات جادة لإعادة صياغة مفهوم المواجهة الجوية من خلال:

الاعتماد على القدرات المحلية

تطوير وسائل اعتراض ورصد بديلة.

إعادة توزيع الأصول العسكرية بما يحد من الاستهداف

رفع كفاءة العنصر البشري

هذا الدور جعله أحد أبرز الأسماء العسكرية المرتبطة بملف الدفاع الجوي في اليمن

 

التحول النوعي.. معجزة “التصنيع والارتقاء

حين تسلم الشهيد الحمزي قيادة القوات الجوية، كان الرهان العالمي هو خروج اليمن تماماً من معادلة السيطرة الجوية، لكنه قاد ثورة صامتة داخل الورش العسكرية ومراكز الأبحاث، في بيئة تعاني نقص الإمكانات، وانقطاع الإمدادات، واستهدافًا مستمرًا، قاد الحمزي عملية شاقة لإحياء القوات الجوية والدفاع الجوي وبناء المستحيل تركزت على ثلاثة محاور:

تطوير سلاح الجو المسير: نقل اليمن من الدفاع السلبي إلى الهجوم الاستراتيجي، لتصبح المسيرات اليمنية رقماً صعباً يتجاوز أحدث الرادارات العالمية.

تفعيل منظومات الدفاع الجوي: إعادة تأهيل صواريخ قديمة وتطوير أخرى جديدة (مثل منظومة فاطر وثاقب) لتحييد طائرات الجيل الحديث، والحفاظ على الجاهزية رغم الظروف المعقدة

التأهيل البشري: بناء كادر من المهندسين والطيارين الشباب القادرين على الابتكار تحت الضغط، وتطوير أساليب دفاعية تتناسب مع واقع الحرب ’ وأثبت أن العقل اليمني قادر على كسر احتكار التكنولوجيا العسكرية حين تتوفر الإرادة والقيادة واليقين والإيمان” ،  ولذلك وقد ارتبط اسمه بفترة شهدت تصاعدًا في الحديث عن تطوير وسائل ردع جوية ومنظومات دفاع محلية، وهو ما اعتبره العدو قبل الصديق إنجازًا استراتيجيًا مهمًا, مجسدا بذلك أن سماء اليمن ليست للنزهة.

 

الإنجازات الميدانية.. توازن الرعب

في عهده، شهدت القوات الجوية والدفاع الجوي قفزات نوعية تجلت في:

عمليات توازن الردع: التي استهدفت عمق دول العدوان بدقة متناهية، وتحولت القوات الجوية من وضعية “الدفاع عن النفس” إلى “توازن الرعب

إسقاط الطائرات التجسسية والمقاتلة: حيث أسقطت العشرات من طائرات (CH-4) و(ScanEagle) و(MQ-9) الأمريكية تباعاً، مما أربك التفوق الجوي للأعداء، وكسر هيبة الصناعة العسكرية الغربية وفخر صناعات الأسطول الجوي للعدو الأمريكي والصهيوني معا.

حماية الأجواء السيادية: تقليص مساحة المناورة للطيران المعادي في الأجواء اليمنية.

 

الإرث العسكري

يتمثل الإرث الذي تركه الحمزي في عدة جوانب:

إعادة تنظيم القوات الجوية في ظروف الحرب

الحفاظ على استمرارية المؤسسة العسكرية الجوية

تدريب وتأهيل كوادر جديدة

الإسهام في تطوير منظومات الردع الجوي

ترسيخ نموذج القيادة الميدانية المنضبطة

 

استراحة المحارب وبقاء النهج

بعد مسيرة حافلة بالجهاد والعطاء والتضحية، وبصبر وثبات الجبال، ترجل الفارس أحمد علي الحمزي، متأثراً بإصابة سابقة تعرض لها في سبيل الله وأداء الواجب، يوم الأحد في الـ19 من محرم 1445هـ الموافق 6 أغسطس 2023م وشيع الثلاثاء إلى مسقط رأسه، رحل تاركاً وراءه مؤسسة عسكرية صلبة، ومنظومة دفاعية متكاملة، وجيشاً من الكوادر الذين تتلمذوا على يده, ولم يكن نهاية لمشروعه، بل هو وقود جديد للمؤسسة التي بناها اليوم، حين يرى اليمنيون طائراتهم تحمي سماءهم، يدركون أن “روح الحمزي” لا تزال تحلق هناك، وأن مدرسة “التصنيع والسيادة” التي أسسها باتت عصية على الانكسار.

.
الشهيد اللواء أحمد علي الحمزي (مطيع)، قائد القوات الجوية والدفاع الجوي، ، حضرت يده معظم عمليات معركة التحرير وشارك أغلب إنجازاتِ القوات المسلحة في خطِ الصمود والنصر اليماني لثمانِ سنوات.. لمحة موجزة من سيرة الشهيد الحافلة بالمفاخر الجهادية والمواقف البطولية

 

ختاما.. القائد الذي لم يغادر الميدان

سيذكر التاريخ أن اللواء أحمد الحمزي هو القائد المجاهد الذي حاصر محاصريه، وأنه الرجل الذي طار بأحلام اليمنيين من ركام الحصار إلى فضاء السيادة، كما إن قصة “الدريهمي” ستظل شاهدة على عبقريته، وستبقى صوره فوق منصات الصواريخ وفي قلوب المقاتلين، تذكرهم دائماً أن السماء ليست حدوداً.. بل هي ميدان للنصر.

You might also like