بين صناعة الفتنة وإعادة توجيه البوصلة

لم يعد الانقسام داخل المجتمعات الإسلامية مجرد اختلاف فكري أو مذهبي طبيعي، بل تحوّل في كثير من الحالات إلى ساحة صراع مُدارة تُستخدم فيها أدوات الإعلام والسياسة لإعادة تشكيل الأولويات، وبينما تنشغل بعض المنصات بإحياء الخلافات التاريخية، برز خطاب موازٍ يحاول إعادة تعريف العدو وتوحيد الاتجاه، ما يعكس معركة حقيقية على الوعي الجمعي.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

من الخلاف إلى الصراع المُدار

تاريخيًا، لم يكن التباين المذهبي سببًا دائمًا للصدام، لكن التحولات السياسية والإعلامية الحديثة ساهمت في تسييس الهوية المذهبية وتحويلها إلى أداة تعبئة، ونقل الخلاف من النخب العلمية إلى الشارع العام، وربط الانتماء الديني بمواقف سياسية حادة، وهناك شواهد من الواقع، حيث يتصاعد الخطاب الطائفي في وسائل التواصل خلال فترات الأزمات الإقليمية، حيث تتحول الأحداث السياسية إلى سجالات مذهبية حادة، وهو نتاج إدارة العدو لها باعتبارها أحد أهم الأوراق التي استخدمها في الصراع، وكذا انتشار مقاطع مجتزأة لرموز دينية تُستخدم خارج سياقها لإثارة الجدل والتحريض، وحملات إلكترونية متزامنة ترفع وسومًا (هاشتاقات) ذات طابع طائفي في توقيتات حساسة.

الإعلام كأداة في الصراع

الإعلام لم يعد ناقلًا محايدًا، بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في إعادة تعريف من هو العدو ومن هو الحليف، وتضخيم “العدو الداخلي” مقابل تهميش التهديدات الخارجية، خلق حالة استقطاب حاد تجعل أي خطاب عقلاني يبدو ضعيفًا، وشواهد ذلك من الواقع من خلال برامج حوارية تستضيف شخصيات متطرفة من أطراف مختلفة، ما يؤدي إلى رفع منسوب التوتر بدل تهدئته، وكذلك منصات رقمية تعتمد على خوارزميات تروّج للمحتوى الأكثر إثارة وغضبًا، ما يعزز انتشار خطاب الكراهية، واستخدام صور ومقاطع من نزاعات مختلفة وإعادة توظيفها لإثارة مشاعر طائفية.

التناقض في الخطاب

يظهر التناقض بوضوح في ممارسات إعلامية تقسيمية، من خلال التركيز على الصراعات الداخلية، مع تجاهل قضايا مركزية تمس واقع الأمة، وتوظيف الورقة الطائفية الصراع بشكل متعمد لصرف الوعي العربي والإسلامي الجمعي عن العدو الحقيقي الصهيوأمريكي، وشواهد ذلك كثيرة من خلال المحتوى الإعلامي الذي يلعب على المتناقضات ، أو في اختلاف الخطاب الموجّه للجمهور الداخلي عن الخطاب الموجّه للخارج، وتحوّل بعض القضايا الكبرى إلى ملفات هامشية في التغطية الإعلامية.

كيف تُدار الفتنة؟ (الآليات العملية)

من خلال تتبع الخطاب الإعلامي، يمكن رصد أدوات متكررة، مثل الانتقاء للأحداث، وإبراز أحداث معينة وإخفاء أخرى بما يخدم رواية وسردية العدو، وكذلك التأطير العاطفي، واستخدام لغة مشحونة (خيانة، كفر، تهديد وجودي)، والتكرار المكثف من خلال إعادة نفس الرسائل حتى تتحول إلى “حقائق” في وعي الجمهور، وكذلك صناعة وتقديم شخصيات جدلية كـ“ممثلين” لمذهب أو تيار.

 

إعادة توجيه البوصلة

في مقابل ذلك، برزت مقاربات تسعى إلى، إعادة ترتيب الأولويات على أساس التحديات المشتركة، والتقليل من شأن الخلافات الثانوية مقابل القضايا الكبرى، والدعوة إلى خطاب عقلاني يركّز على المصالح والقضايا العامة، وشواهد ذلك تبني إعلام دول المقاومة إلى خطاب متوازن يدعو إلى الوعي بمخططات العدو ونبذ الكراهية والتركيز على القواسم المشتركة، والاهتمام بتقديم حقائق وخلفيات حرب الفتنة والاختلاف.

دلالات المشهد

هذا الصراع بين خطابين يفترض أن يكونا في خندق واحد لمواجهة العدو الحقيقي للأمة يكشف أن المعركة الأساسية اليوم هي معركة وعي، وأن الإعلام أصبح أداة حاسمة في توجيه المجتمعات، وأن الانقسام الداخلي يُضعف أي قدرة على مواجهة التحديات الكبرى.

ختاما..

بين خطاب يغذّي الانقسام، وآخر يحاول إعادة التوازن، يبقى العامل الحاسم هو وعي الجمهور وقدرته على التمييز، فكلما زادت القدرة على قراءة الخطاب الإعلامي بشكل نقدي، تراجعت فاعلية محاولات للعدو لإثارة الفتنة و التأجيج، وارتفعت فرص بناء حالة من التماسك والاستقرار.

You might also like